Friday, October 7, 2016

الوصول بعداً عن الأصول...( كان آخر مقال لي في الحياة. أوقفت بعدها!)





لماذا أكتب؟
من ذاكرة الكتابة في جريدة الحياة..
الوصول بعدا عن الأصول..

جاء هذا المعنى الكامن في العنوان في حديث لأخ وقارئ كريم من الرياض .. وكان محوره مقال "البناء والشباب والانتماء".  (التدوينة السابقة)
لقد أثار المقال اهتمام قارئي الكريم كإنسان في موقع مسئولية وكأب، ومواطن. وهو في كل هذا يهتم كثيراً بالظواهر الاجتماعية / الثقافية التي صاحبت التطور الاقتصادي في مجتمعنا، وتأثيرها على الشباب ومستقبله.
وأحد هذه الظواهر المهمة هو ذلك (الارتباك) الاجتماعي / الثقافي / النفسي الذي أحدثته المتغيرات الاقتصادية في زمن الطفرة النفطية. ولكن هذا الذي بدا في أول الامر (ارتباكاً) استطاع البعض تداركه، تحول في حياة آخرين كثيرين إلى (زلزال). الأمر الذي أدى بدوره إلى ضعضعة في جسر التواصل بين القديم والجديد، وتحديداً بين جوهر القديم ومتغيرات هذا الجديد.
وأفضل تعبير عن ذلك، هو أن مفهوم (الوصول) إلى النجاح، الذي صاغته وحددت مقاييسه الأوضاع الاقتصادية خلال الثلاثين عاماً الماضية، قد ابتعد كثيراً عن الأصول. الأصول بمعنى القيم، والمعايير، والمقاييس التي تتشكل منها وحولها قيمة الإنسان المسلم، ومعنى حياته، في كل زمان ومكان.
وعندما يأتي هذا الرأي من أحد أفراد الفئة التي فتحت أمامها أبواب الضوء، والجاه والمال على مصراعيها فإنه يستحق أكثر من وقفه. فعادة أفراد هذه الفئة أن يكونوا اعتذارين، مدافعين عن كل السلبيات الاجتماعية / الثقافية / النفسية التي صاحبت الطفرة الاقتصادية. بل ويجدون كل المبررات لحالات الارتباك التي كانت في حقيقتها بمثابة حالات (ارتجاج في المخ!).
افهم وأقدر مشاعر قارئي الكريم. فقد كان من القلة التي دخلت من هذه الأبواب بروية، وبرؤية لا يبهرها الضوء والجاه، وبنفس تعرف معاني مختلفة للثراء. الأمر الذي لابد وأن يكون قد عكس على حياته الأسرية, وعلى فلسفته في تربية أبنائه وإعدادهم للمستقبل.
بينما اندفع الكثيرون من أبواب الضوء والجاه والمال.
البعض اندفع ببعض الحكمة والإدراك والتخطيط.  البعض كان مؤهلاً لما سار إليه وحققه من (نجاح).  
والبعض وجد نفسه في التيار من موقع الصدف والظروف.
والبعض رأي الأبواب وكأنها فتحت على مغارة (علي بابا)، فكان كل ما يشغل هذا البعض هو أن يعب من هنا وهناك، قبل أن تقفل أبواب المغارة مرة أخرى، وهناك من تعامل مع هذا الآتي وكأنه بداية نعيم لا نهاية له.
جيل الشباب الحالي هو نتاج هؤلاء الآباء.
فلسفة جيل الشباب الحالي هي انعكاس لفلسفة هؤلاء الآباء.
مقاييس النجاح لدى جيل الشباب الآن وقيمه هي وليدة التحولات الاجتماعية / الثقافية / النفسية التي صاحبت الطفرة الاقتصادية، والتي لعب هؤلاء الآباء دوراً رئيسياً في تحديد صورها وأشكالها.
كلنا يدرك أن الإنسان في مجتمعاتنا لم يعد يُقيم اجتماعياً بفكره أو سلوكياته أو أخلاقياته. إنما المظهر أصبح هو الاساس؛  والمظهر يشمل كل الرموز  المادية (الممتلكات والمقتنيات) التي أصبحت دليلا على الوضع الاقتصادي للفرد، من دون عناء البحث عن الكيف.
وهذه الرموز متعارف عليها (على سبيل المثال فقط: ماركة السيارة وموديلها) وحوزتها تغني عن الاحتياج لأي لغة أو مقاييس أخرى. بل أن حوزتها تبيح للفرد حقوقاً وتجاوزات لا تتاح ولا تباح للآخرين، ممن تدل ممتلكاتهم المادية على مكانة اقتصادية أقل.
كلنا يدرك أن مفهوم العمل وقيمته تعرض لتحولات غريبة خطيرة، وأن الوصول المادي ا لسريع أصبح هو الهم والأرق للنساء والرجال على حد سواء!
فصورة الإنسان الناجح هي صورة الذي حقق ثروة طائلة خلال زمن الطفرة.
المشكلة ليست في الثراء، أو المال، أو احاطة الفرد لنفسه وأسرته بكل وسائل الترف والرفاهية. المشكلة الحقيقية تكمن في الكيفية؟
كيف كان هذا الوصول؟
وكيف تنعكس هذه الصور الحياتية للنجاح المادي على المجتمع ككل، وعلى الشباب خاصة؟!
قد يكون من حق الفرد أن يختار نمط الحياة التي يريدها حسب إمكاناته المادية.
ولكن أليس من واجبه أيضاً أن يتساءل عن مدى تأثير هذه الأنماط الحياتية الباذخة على القيم والمعايير الجوهرية للمجتمع؟
أليس من واجبه أن يتساءل عن الرسائل الرمزية المعيارية التي يرسلها إلى النشء والشباب حول مفاهيم: العمل , والثراء، والنجاح،  والقيم، والمسئولية الاجتماعية؟!
***
الإسكندرية‏
الجمعة‏، محرم‏ 06‏، 1438

Friday, October 7, 2016

No comments: