Monday, May 18, 2015

عن الوعي أكتب ..

عن الوعي أكتب ..

محادثة قصيرة مع صديقة وكاتبة معروفة،  عرجت بنا إلى حوارٍ ثري .. 
وقد كانت نقطة البداية فيه مناقشتنا حول  تعليل الكثير من النشء والشباب جهلهم بهذا الموضوع أو ذاك بحجة أنه لم يُدرس لهم في المدرسة. 

وذكرت صديقتي  استدلالا على جهل النشء بقصة خاصة بها، عميقة الجذور والمغزى.. وكان الحوار الذي أقتطف منه بعض الوقفات، أسردها لكم  بعد استئذانها،  والوعد بالاحتفاظ بهويتها. 

قالت: أتدرين.. إلى  وقت ما..  لم أكن أعرف أن هناك ناس غيرنا على الكرة الأرضية! حقيقي .. لا أمزح! 
فبادرتها بالسؤال : ومتى اكتشفت؟ 
أجابت عندما بدأت أقرأ وأُعلم نفسي .. 
وفي أي مرحلة من العمر؟سألتها، 
ربما في السادسة عشر .. أجابت 
وأردفتْ.. 
ليس هذا فحسب. بل إني لم أكتشف حتى وقت قريب أن لغتي إقصائية! 
في أول مؤتمر حضرته في الخارج كنت عند كل مُداخلة أقول : نحن المسلمون.. 
وكنت أحرص على تكرارها اعتقادا مني أن في ذاك حُباً ووطنية وإخلاصا لديني ووطني. وأن مسئوليتي أن أثقف العالم بنا،  حتى جاء اعتراضٌ من إحدى المشاركات قائلة: ألا تعلمين أن  في هذا العالم وفي هذا الكون أصنافا أخرى من البشر يختلفون عنكم ..؟ ألا تدركين أن  العالم ليس كله من المسلمين؟
وتستطرد صديقتي...
أدركتُ حينها أن هذه الحقيقة لم تخطر ببالي قط.. فاعتذرت وبررت بأني انتمي إلى بلد ذات طائفة واحدة، ويبدو أن الوعي لدي قد تمحور حول فكرة أن الكون أحادي التركيب نحن لا غيرنا محوره ! 

أجبتها ضاحكة .. يعني فضحتينا!! 

وأكملنا الحوار حول موضوع الوعي وأنه يُبنى ويُنمَّى ويُكتسب. ولا عذر الآن للنشء والشباب في ألاّْ يشتغل على حاله ولا ينتظر المدرسة حتى تُكسبه علما أو ثقافة.. 

وأكملنا الحوار حول ما قد يصلح للحوار في جلسة ما قادمة .. 
***
جدة - الإثنين - 18/5/2015

Monday, May 11, 2015

الواقع .. وواقع الواقع .. هل هو من غير صنعنا ؟



الواقع .. هل هو غير ما نصنعه نحن ؟!

(محاولة في التفكير بصوت مسموع)

في كثير من الأحيان نتكلم عن "الواقع" وكأنه كيان " سوبر " , منفصل عنا , يتحكم في حياتنا  سلبا أو إيجابا. وكثيرا ما نجد أنفسنا في جدلية حوارية غريبة معه,تكون نتيجتها إما الكلام وإما الصمت. و في كل من المسارين هناك  ثمن يُدفع.

فإن كنت ممن يتعاطون الكلمة الواضحة الهادفة/الناقدة , ستكتشف أنك تُحيِّر "الواقع".. فيشيح بوجهه عنك, وقد يرفضك. لأنه لا يعرف كيف يتعامل مع هكذا كلمة. 
أو لأنه لم يتعود إلا علي الكلمة المنافقة,  الانتفاعية..أو تلك التي "تعرف من أين تؤكل الكتف" , كما يقال. أو ربما لأنه (الواقع) لم يتعلم كيف يتعامل مع الوضوح والصدق في الكلمة, ولم ينضج إدراكه بأنها تصب في مصلحته.

وأنت صاحب هذه الكلمة الهادفة تدرك أنها ترهق "الواقع" بما هو غير مؤهل له. وتدرك أنك ترمي إلي ذلك عله يتحرك ويصلح من شأنه.

وأحيانا تأتي الكلمة مباشرة حادة كالسيف, مما قد يجرح "الواقع", ويمزق عنه أرديته التي يحتمي بها, ويتركه هكذا عاريا إلا من حقيقته. ومن المنطق والمتوقع , في حالة الواقع غير المؤهل وغير مكتمل الإدراك, أن يأخذ موقفا عدائيا من الكلمة.. هذا إن لم يُسقط اسم صاحبها من قائمة الأحياء !
ويُسقط في يدك. ولكن..لماذا  الدهشة أو الاستغراب؟

نعم..إنك لا تريد غير منازلة عادلة مع "الواقع". ولكن لا تنسي أنك تتعامل معه مسبقا علي كونك فرد وهو "مجموع", وأنك ضعيف وهو قوي.. أقوي منك ومن كل أحلامك وقدراتك !! تتعامل معه وكأنه قوة خارقة, خارجة عنك. لا تدرك أن من فهمك أنت, أو من القناعة الذاتية المستضعِفة لوجودك وكينونتك كفرد, يستمد هو قوته وسطوته. . حتي في تخلفه. ونصبح أمامه كائنات هزيلة, عاجزة.. تخلفه يخدمنا, فنساعد علي استمراره,  لنبرر انهزامنا المتواصل أمامه. 

والسؤال هو.. من يجعل "الواقع".. هذا الكيان السوبر علي ما هو عليه !؟  

أهناك غيرك أنت؟  أنت, وأنا, وكل الآخرين؟
أليس "الواقع" هو حصيلة تراكمية لتفاعلاتنا المتداخلة والمعقدة مع أنفسنا, ومع الآخرين, ومع الحياة؟ والتي تصب حصيلتها في النهاية في هذا الكيان الغامض الذي نسميه "الواقع".

أليست البنية الاجتماعية ,مثلا, للواقع هي حصيلة معتقداتنا وأفكارنا ومخاوفنا ومستوي طموحاتنا وإدراكنا ووعينا ورؤانا للطبيعة البشرية وللحياة, والذي في محصلته النهائية يوجه ويحكم سلوكياتنا الحياتية في أبسط وأعقد صورها؟

ألا تستمر هذه البنية من جيل إلي جيل لأنها تحقق وظائف معينة تخدم مصالحنا, ولهذا نحرص علي تكريسها, و نعاقب من يحاول الإخلال بها؟
ألسنا نحن.. أنت وأنا وكل الآخرين, من نصنع "الواقع"؟ نعطيه شكله ومعانيه! نجعله واقعا مشرقا أو مظلما..شجاعا أو جبانا..واقعا  يدفع علي الإنجاز ويحفز علي الإبداع والابتكار, أو واقعا يطفح بالمعوقات !

المعضلة هي عندما يستنفذ هذا "الواقع" , كما صنعناه نحن, مدة صلاحيته, وتفقد  بنيته الاجتماعية وظائفها التقليدية, ويصبح غير مهيأ لتطوير كيانه. هنا تحاول تغيير الواقع..أو إصلاحه.. أو ترميمه. ولكنه, أي "الواقع" عنيد, ولأنه أصبح متجذرا , لا يتستجيب بسهولة لمطالبك. وهنا تبدو المعركة وكأنها بينك وبين كيان خارجي عنك. 

الوجه الحقيقي للمعضلة هو أن المعركة الحقيقية بداخلك أنت: بين الرغبة في التحرر من هذا الواقع (أو بعض ملامحه) الذي تراه معيقا لتطلعاتك الجديدة, وبين جذوره التي ترسخت في وعيك, والتي لا تستطيع أن تنفك منها. أبسط مثال : الازدواجية بين أقوالنا وما ننادي به, وبين أفعالنا وممارساتنا الفعلية  في حياتنا الخاصة. علي سبيل المثال, ننادي في "خطابنا التنويري أو الإصلاحي",  "بالحرية والمساواة والعدل والديمقراطية واحترام اختلاف الآخر", ولكن علي الجانب الخاص من حياتنا يختلف الأمر كل الاختلاف. 
كل ما نحتاجه هو وقفة صادقة مع تفاعلنا الحياتي مع أفراد أسرتنا, والعاملين معنا, والبيئة المحيطة بنا, لنكتشف مدي صدقنا وقناعتنا الحقيقية بما ننادي به.

والحل ؟ أو الطريق إلي الحل..؟
قناعتي ( إلي الآن) أن المعركة مع الداخل هي الأساس. إذا كسبتها مع نفسك يصبح الأمل أكبر في اجتيازها مع هذا الذي صنعناه بأيدينا, ثم عبدناه وألهناه. بمعني , أنه عندما يكتمل إدراكي, وأقف بشجاعة و صدق في وجه الازدواجية , والنفاق, والتخلف في وعيي ومنظومتي الفكرية , أستطيع حينها صنع واقع متنور, واع, ومدرك ومتبصر بحقائق الأمور. 

وهذا هو واقع "الواقع"..نحن مرآة له, وهو مرآة صادقة لأدق تفاصيل حياتنا وإدراكنا ووعينا. 
نحن وهو وجهان لعملة واحدة.

أما إذا كنت ممن يتواكلون علي "الزمن", بحجة أنه كفيل بعلاج كل العلل, ومنها انفصامك الداخلي وخصامك مع "الواقع"..,
فهنيئا لك. أنعم براحة البال.
********* 

 
 26-11-2010 
نشر في منبر الحوار والإبداع