Sunday, September 6, 2015

كم يُحب الحُب أن نتكلم عنه !!

تجليات نهارية .. 
لا شيء يغير ملامح وجه إنسان مُتعب مثل نكشه عن الحُب في حياته .. وتدعه يفضفض وما عليك غير أن تمنحه كل اهتمامك وسمعك ! 
هكذا كانت إطلالتي .. ... على ماذا يفعل بنا مجرد ذكر الحُب ! 

كسى التعب ملامح وجهه،  ونبرات صوته تخفي في طياتها بللا من حزن .. خوف .. مشاعر مبهمة ..
فكرتُ أن أنتقل به إلى بُعدٍ آخر في الفضاء الذي كان يُحدق فيه .. 
باغته بالسؤال : هل أحببتَ في حياتك ؟ 
-- نعم !! ماذا ؟ أما سؤال !؟ 

وهنا كانت البداية .. 
وكأن الذاكرة كانت على استعداد مُلِّحْ كي تحكي .. وفي انتظار من يستمع .. 
وكأنها ، الذاكرة، كانت تشتاق .. إلى صوت نفسها وهي تستعيد صورا.. مواقف .. أزمنة كانت.. وكان فيها الكثير من المعاناة والألم .. ومن الحُب أيضا .. 

ويمضي الوقت والذاكرة تُروي بصوته..  وترتوي .. 

ولم يمض الكثير من الوقت حتى كانت ملامح الوجه قد بدت أكثر راحة واسترخاء .. وابتسامة عميقة تفترش العينين .. 
وضحكة مُجلجلة من القلب : كمْ أنتِ مُخادعة !!! 
... جعلتِني أثرثر بما قد تناسيته أو اعتقدت ذلك .. وبما أحاول دفنه في الأعماق دون أن تطهر الجراح من  آثاره .. فتظل حية في الأعماق ، تطفو إلى السطح كل حين لتعذبني لتعود وتختبئ..
***
إنه الحُب الذي يعشق أن نذكره ونتذكره .. ونحكي رواياتنا معه .. لتبقى سيرته عاطرة أبدا في حياتنا ..

الإسكندرية 6 / 9 / 2015

Monday, May 18, 2015

عن الوعي أكتب ..

عن الوعي أكتب ..

محادثة قصيرة مع صديقة وكاتبة معروفة،  عرجت بنا إلى حوارٍ ثري .. 
وقد كانت نقطة البداية فيه مناقشتنا حول  تعليل الكثير من النشء والشباب جهلهم بهذا الموضوع أو ذاك بحجة أنه لم يُدرس لهم في المدرسة. 

وذكرت صديقتي  استدلالا على جهل النشء بقصة خاصة بها، عميقة الجذور والمغزى.. وكان الحوار الذي أقتطف منه بعض الوقفات، أسردها لكم  بعد استئذانها،  والوعد بالاحتفاظ بهويتها. 

قالت: أتدرين.. إلى  وقت ما..  لم أكن أعرف أن هناك ناس غيرنا على الكرة الأرضية! حقيقي .. لا أمزح! 
فبادرتها بالسؤال : ومتى اكتشفت؟ 
أجابت عندما بدأت أقرأ وأُعلم نفسي .. 
وفي أي مرحلة من العمر؟سألتها، 
ربما في السادسة عشر .. أجابت 
وأردفتْ.. 
ليس هذا فحسب. بل إني لم أكتشف حتى وقت قريب أن لغتي إقصائية! 
في أول مؤتمر حضرته في الخارج كنت عند كل مُداخلة أقول : نحن المسلمون.. 
وكنت أحرص على تكرارها اعتقادا مني أن في ذاك حُباً ووطنية وإخلاصا لديني ووطني. وأن مسئوليتي أن أثقف العالم بنا،  حتى جاء اعتراضٌ من إحدى المشاركات قائلة: ألا تعلمين أن  في هذا العالم وفي هذا الكون أصنافا أخرى من البشر يختلفون عنكم ..؟ ألا تدركين أن  العالم ليس كله من المسلمين؟
وتستطرد صديقتي...
أدركتُ حينها أن هذه الحقيقة لم تخطر ببالي قط.. فاعتذرت وبررت بأني انتمي إلى بلد ذات طائفة واحدة، ويبدو أن الوعي لدي قد تمحور حول فكرة أن الكون أحادي التركيب نحن لا غيرنا محوره ! 

أجبتها ضاحكة .. يعني فضحتينا!! 

وأكملنا الحوار حول موضوع الوعي وأنه يُبنى ويُنمَّى ويُكتسب. ولا عذر الآن للنشء والشباب في ألاّْ يشتغل على حاله ولا ينتظر المدرسة حتى تُكسبه علما أو ثقافة.. 

وأكملنا الحوار حول ما قد يصلح للحوار في جلسة ما قادمة .. 
***
جدة - الإثنين - 18/5/2015

Monday, May 11, 2015

الواقع .. وواقع الواقع .. هل هو من غير صنعنا ؟



الواقع .. هل هو غير ما نصنعه نحن ؟!

(محاولة في التفكير بصوت مسموع)

في كثير من الأحيان نتكلم عن "الواقع" وكأنه كيان " سوبر " , منفصل عنا , يتحكم في حياتنا  سلبا أو إيجابا. وكثيرا ما نجد أنفسنا في جدلية حوارية غريبة معه,تكون نتيجتها إما الكلام وإما الصمت. و في كل من المسارين هناك  ثمن يُدفع.

فإن كنت ممن يتعاطون الكلمة الواضحة الهادفة/الناقدة , ستكتشف أنك تُحيِّر "الواقع".. فيشيح بوجهه عنك, وقد يرفضك. لأنه لا يعرف كيف يتعامل مع هكذا كلمة. 
أو لأنه لم يتعود إلا علي الكلمة المنافقة,  الانتفاعية..أو تلك التي "تعرف من أين تؤكل الكتف" , كما يقال. أو ربما لأنه (الواقع) لم يتعلم كيف يتعامل مع الوضوح والصدق في الكلمة, ولم ينضج إدراكه بأنها تصب في مصلحته.

وأنت صاحب هذه الكلمة الهادفة تدرك أنها ترهق "الواقع" بما هو غير مؤهل له. وتدرك أنك ترمي إلي ذلك عله يتحرك ويصلح من شأنه.

وأحيانا تأتي الكلمة مباشرة حادة كالسيف, مما قد يجرح "الواقع", ويمزق عنه أرديته التي يحتمي بها, ويتركه هكذا عاريا إلا من حقيقته. ومن المنطق والمتوقع , في حالة الواقع غير المؤهل وغير مكتمل الإدراك, أن يأخذ موقفا عدائيا من الكلمة.. هذا إن لم يُسقط اسم صاحبها من قائمة الأحياء !
ويُسقط في يدك. ولكن..لماذا  الدهشة أو الاستغراب؟

نعم..إنك لا تريد غير منازلة عادلة مع "الواقع". ولكن لا تنسي أنك تتعامل معه مسبقا علي كونك فرد وهو "مجموع", وأنك ضعيف وهو قوي.. أقوي منك ومن كل أحلامك وقدراتك !! تتعامل معه وكأنه قوة خارقة, خارجة عنك. لا تدرك أن من فهمك أنت, أو من القناعة الذاتية المستضعِفة لوجودك وكينونتك كفرد, يستمد هو قوته وسطوته. . حتي في تخلفه. ونصبح أمامه كائنات هزيلة, عاجزة.. تخلفه يخدمنا, فنساعد علي استمراره,  لنبرر انهزامنا المتواصل أمامه. 

والسؤال هو.. من يجعل "الواقع".. هذا الكيان السوبر علي ما هو عليه !؟  

أهناك غيرك أنت؟  أنت, وأنا, وكل الآخرين؟
أليس "الواقع" هو حصيلة تراكمية لتفاعلاتنا المتداخلة والمعقدة مع أنفسنا, ومع الآخرين, ومع الحياة؟ والتي تصب حصيلتها في النهاية في هذا الكيان الغامض الذي نسميه "الواقع".

أليست البنية الاجتماعية ,مثلا, للواقع هي حصيلة معتقداتنا وأفكارنا ومخاوفنا ومستوي طموحاتنا وإدراكنا ووعينا ورؤانا للطبيعة البشرية وللحياة, والذي في محصلته النهائية يوجه ويحكم سلوكياتنا الحياتية في أبسط وأعقد صورها؟

ألا تستمر هذه البنية من جيل إلي جيل لأنها تحقق وظائف معينة تخدم مصالحنا, ولهذا نحرص علي تكريسها, و نعاقب من يحاول الإخلال بها؟
ألسنا نحن.. أنت وأنا وكل الآخرين, من نصنع "الواقع"؟ نعطيه شكله ومعانيه! نجعله واقعا مشرقا أو مظلما..شجاعا أو جبانا..واقعا  يدفع علي الإنجاز ويحفز علي الإبداع والابتكار, أو واقعا يطفح بالمعوقات !

المعضلة هي عندما يستنفذ هذا "الواقع" , كما صنعناه نحن, مدة صلاحيته, وتفقد  بنيته الاجتماعية وظائفها التقليدية, ويصبح غير مهيأ لتطوير كيانه. هنا تحاول تغيير الواقع..أو إصلاحه.. أو ترميمه. ولكنه, أي "الواقع" عنيد, ولأنه أصبح متجذرا , لا يتستجيب بسهولة لمطالبك. وهنا تبدو المعركة وكأنها بينك وبين كيان خارجي عنك. 

الوجه الحقيقي للمعضلة هو أن المعركة الحقيقية بداخلك أنت: بين الرغبة في التحرر من هذا الواقع (أو بعض ملامحه) الذي تراه معيقا لتطلعاتك الجديدة, وبين جذوره التي ترسخت في وعيك, والتي لا تستطيع أن تنفك منها. أبسط مثال : الازدواجية بين أقوالنا وما ننادي به, وبين أفعالنا وممارساتنا الفعلية  في حياتنا الخاصة. علي سبيل المثال, ننادي في "خطابنا التنويري أو الإصلاحي",  "بالحرية والمساواة والعدل والديمقراطية واحترام اختلاف الآخر", ولكن علي الجانب الخاص من حياتنا يختلف الأمر كل الاختلاف. 
كل ما نحتاجه هو وقفة صادقة مع تفاعلنا الحياتي مع أفراد أسرتنا, والعاملين معنا, والبيئة المحيطة بنا, لنكتشف مدي صدقنا وقناعتنا الحقيقية بما ننادي به.

والحل ؟ أو الطريق إلي الحل..؟
قناعتي ( إلي الآن) أن المعركة مع الداخل هي الأساس. إذا كسبتها مع نفسك يصبح الأمل أكبر في اجتيازها مع هذا الذي صنعناه بأيدينا, ثم عبدناه وألهناه. بمعني , أنه عندما يكتمل إدراكي, وأقف بشجاعة و صدق في وجه الازدواجية , والنفاق, والتخلف في وعيي ومنظومتي الفكرية , أستطيع حينها صنع واقع متنور, واع, ومدرك ومتبصر بحقائق الأمور. 

وهذا هو واقع "الواقع"..نحن مرآة له, وهو مرآة صادقة لأدق تفاصيل حياتنا وإدراكنا ووعينا. 
نحن وهو وجهان لعملة واحدة.

أما إذا كنت ممن يتواكلون علي "الزمن", بحجة أنه كفيل بعلاج كل العلل, ومنها انفصامك الداخلي وخصامك مع "الواقع"..,
فهنيئا لك. أنعم براحة البال.
********* 

 
 26-11-2010 
نشر في منبر الحوار والإبداع

Monday, April 20, 2015

... فلتكوني .. .. ..

"  في آواخر العمر ..فلتكوني .. .. .. "
*******
لا تتركها رناتُ الفرحِ في نبرات  صوته..
تظل معها تشاكسها بهذه العبارة الأثيرة لديه. 
ولا تدري لماذا تستعيد  لها العبارةُ  في هذه اللحظةِ صوتَ أم فوزية .. سيدة طيبة رعتها في صباها. 
هل تحتاج وجودها الآن كي تستفتيها في أمور الحياة علي أواخر العُمر!؟
لقد كان لأم فوزية حكمة " نسائية " شعبية ، بمثابة تراث  توثقت عراه بتجربتها الحياتية. 
والرجل بالطبع هو محور هذه الحكمة.. حوله .. وبسببه..  ومن أجله دارت حكاوي أم فوزية وأمثالها الشعبية وحِكَمِها المأثورة.

وكانت صاحبتنا تحب أم فوزية .. صدر كبير رحب ، يحوي حنانا يكفي لإرضاع كل أطفال الحارة... بسيطة .. ضحوكة .. خفيفة الظل .. وكل ما في قلبها علي لسانها. 
بجانب مسئوليتها عن إدارة شئون المنزل، فأم فوزية محطة إرسال قائمة بذاتها.. راديو متعدد المحطات والبرامج.. غير أن المعِّدَ ، والمخرج، والمقدِّم كلهم شخص واحد هو : أم فوزية. 

كل البرامج فيه تدور حول قصص أم فوزية مع الحياة ، ومع الرجل بالطبع ! تتعدد البرامج وتتنوع بتنوع وتعدد المواقف مع ذات الرجل،  زوجها ..هو رجل واحد لا غيره..  والتي غالبا ماكانت تنتهي قصصها معه إلي نفس النتيجة ! 

اليوم يبدأ بصوت أم فوزية معلنا بداية الإرسال وينتهي بانتهائه. 
محطة إرسالها عبارة عن حوارات ذاتية، مسموعة ومرئية..  هي فيها الراوي والقاضي والدفاع والمجني عليه ! 
أما الرجل،  وسوء الحظ .. فإنهما المتهمان الدائمان في محكمة أم فوزية. 
تعوَّد الجميع علي "خطرفات" المرأة مع نفسها، والتي كثيرا ما تكون مثارا للتندر والتضاحك بين الصغار.
أما صاحبتنا،  فيحلو لها أن تنصت  في صمت وتأمل لمونولوجات أم فوزية. وأحيانا تتحين الفرص للإنفراد بها، تستفسر منها عن معني بعض ما تتكلم به من حِكَمٍ وأمثال. وخاصة أن كل ما فيها مُحيِّر! الرجل فيها غليظ القلب، قاس، خائن ، لا يرحم ....! وبالرغم من ذلك فإن مونولوجات أم فوزية مستعرة بالشوق والحنين إليه !؟

لغز يحيَّر الصبية كثيرا، كما تربكها حكايات أم فوزية التي تنتهي دائما بمواويل حزينة مبللة بالدموع .. مواويل تأتي كاسطوانة مشروخة ، يتخللها النشيج من آن لآخر. 

عقب أحد الروايات ذات يوم، يشتد العويل والبكاء مما يحزن الصبية كثيرا. فتجلس في حُنوّ بجوارها .. لا تدري كيف تلملم كلماتها أو مشاعرها الحائرة .. تأخذ نفسا عميقا علَّها تتغلب علي قلقها وترددها في اسداء نصيحة لتلك المرأة الخبيرة بالحياة ومتاهاتها.. 
تستجمع الصبية  شجاعتها.. تحاول أن تسترعي انتباه المرأة بأصوات مبهمة.. 
أخيرا تخرج  كلماتها:  
 أم فوزية .. أم فوزية .. اسمعيني ...  لماذا لا تتركي هذا الرجل الذي يسبب لك كل هذا البكاء إنه رجل شرير .. 
فما كان من المرأة إلا أن تدفع الصبية عنها برفق ، صارخة: أسيبه .. أسيبه إزاي !؟
هوَّ كان بإيدي ؟ ياريت أقدر.. ياريت .. ياريت .. كنت سبته وسبت عشرين زيه ..!! 
.. ليه يا أم فوزية ؟ تتساءل الصبية بعد أن تضاعفت حيرتها ..
.. ليه ؟ هُوَّا  فيها ليه ؟ 
يابنتي بكرة تكبري وتعرفي .. دي حاجات بين الرجالة والستات ما يعرفها إلا الكبار..
روحي يا بنتي .. روحي لكتابك ودروسك .. الله يحميك منهم .. ويجعل نصيبك أحسن من نصيب دادتك أم فوزية .. اللهم آمين ! 
وتبدأ أم فوزية وصلة النحيب .. وتُعدد " يا قلبي ياكتاكت ياما انت شايف وساكت .."
****
الدموع.. كم تحيرها. وكم تشغلها. إنه اللغز الذي حارت الصبية في أمره. 
فهل تبكي المرأة مرارة القسوة والهجران؟ 
أم أنها تبكي شوقا وحنينا؟
وكيف يمكن أن تشتاق المرأة  لرجل  قاس.. فظ القلب!؟
لقد بدأت هذه الحيرة بعلامة استفهام تكبر معها ، وتتبلور في سؤال.. حتي يوم تجرأت وطرحته علي أم فوزية. وكانت المفاجأة / الصدمة للصبية. 
****
مابالها تستعيد المشهد اليوم ..!؟
ما بالها تستعيد السؤال: 
لماذا لا تتركيه .. مادام شريرا؟ يعذبك، ويأخذ مالك غصبا في نهاية كل شهر، ويضربك إن رفضت !؟
حينها انفجرت المرأة وأجهشت بالبكاء  كالأطفال بلا توقف.. وهي، الصبية،  تقف في دهشة ، تخاف أن تكون قد أساءت التعبير. 
حينها استمر بكاء أم فوزية موالا متواصلا من النواح ، والتعديد ، والكلمات المتقاطعة.. حتي أصابها وجع الرأس ، فعصبت رأسها بمنديلها الأحمر المعهود.. ثم  تهدأ .. وتنتبه لها وهي تجلس في صمت، ترقب في حيرة  هذا المشهد المأساوي الذي يستعصي عليها فك أسراره ..

تطرق أم فوزية برأسها وكأنها ترقب شيئا ما.. ثم تتكلم. فكانت حكمة من حكمها المأثورة: 
... الحب .. الحب يابنتي .. الحب ! قطيعة .. الله يقطعه ويقطع سنينه !  صدقوا اللي قالوا الحب بلا.. إبعد عن الحُب وغني له !! 

و تتذكر .. هنا تنسحب  دون أن تشعر بها المرأة، التي بدأت عقيرتها ترتفع فجأة بواحد من مواويلها في الحب والمحبين.. والعشق والعاشقين ..
****
حكمة أم فوزية حكمة نسائية شعبية. الرجل فيها هو المحور. به تكون الحياة. وبدونه لا تكون. 
لا .. ليس الرجل وحده،
بل أيضا المأساة.
الرجل والمأساة هما محور حياة هذه المرأة .. وربما كل فصيلة النساء!! 
لا .. بل المأساة أولا ثم الرجل!
وكأن المأساة هي الرابط بين المرأة والرجل! وكأن المأساة هي ما تجعلها مربوطة به بوثاق لا تستطيع أن تنفك منه.. أو أن تريد أن تفك هي عراه !!؟
ولكن ما دخل "الحُب" هنا؟ هل المأساة هي ما تسميه أم فوزية حبا ؟؟ 

تتأمل الصبية أركان حكمة أم فوزية : الحياة.. الحب..  المأساة .. الرجل ! 
لماذا يرتبط أجزاء هذا الكل في حياة أم فوزية في دراما مأساوية ، حزينة ، كلها أنين ؟ 
ولكن ، هل يمكن أن تكون كل النساء علي شاكلة أم فوزية ؟
و تفحمها أم فوزية بالإجابة : 
... مش أنا لوحدي يا بنتي .. إوعي تفتكري .. 
دي أمي وأختي وبنتي .. كلنا .. كلنا .. نتعذب بيهم ولا نقدر نستغني عنهم .. واللي تقول لك غير كدة تبقي كذابة ! 
وتتجرأ الصبية هذه المرة علي محاورة أم فوزية بعد ما كانت دائما مستفسرة :
.. كلام غريب ياأم فوزية .. انتم بالصراحة غاويين نكد وعذاب ! 
.. غريب ..! ما غريب إلا الشيطان .. هوَّا بالعقل كده في حد غاوي عذاب ؟ 
 وتستطرد الصبية بشجاعة أكبر،  يا أم فوزية .. كيف تحبي راجل زي ده ؟ الحب غير .. فيه راحة وفرح .. الحب إحساس غير .. كيف يكون فيه عذاب وتعذيب ؟
ويديها على خاصرتها في حركة راقصة : نعم .. نعم ..غير ! أهو ده الكلام بتاع الكتب .. والروايات اللي بتقروها .. مافيش غير! يمكن شوية فرح في الأول .. بس راحة لا .. 
****
ربما كان هذا الحوار هو أحد الدوافع التي جعلت الصبية تقفل سمعها عن إرسال أم فوزية في الأشهر اللاحقة .. بل من حينها يبدو أن رباطا ما قد فقد أواصره بينها وبين أم فوزية ..
فقد كان للصبية منذ حداثة سنها موقفا حلوا من هذا الإحساس الذي يطلق عليه الكبار لقب "الحُب"
 تدرك منذ الطفولة وجود ألفة ما تربطها بأماكن معينة، وأناس معينين، وفساتين معينة، وألوان معينة ، وكتب معينة، ومدرسات ومدرسين معينين، وصديقات معينات .. وتكتشف أن لهذه الألفة اعتبارات معينة في نفسها .. وأنها مصدر للفرح. 
تكتشف أيضا، أنها تستطيع أن تُوجد من خيالها وفي خيالها ألفةً تهرب إليها وحدها عندما تريد ! 
وتحدثُ نفسَها بأنها  ستختلف عن أم فوزية. حياتها ستختلف.. أفكارها ستختلف.. حتي مواويل الحزن والفرح ستختلف. 
" قطعا سيكون الرجل في حكاياتي غير رجل أم فوزية .. وستكون المرأة فيها غير أم فوزية!" 

هما في اعتبارها تشكلا في خيالها من صنع نفسهما .. ربما لأن شعورا ما بداخلها أوحي لها بأنها من صنع نفسها .. أو أن عليها أن تكون كذلك .. فقد افتقدت بيئتها المباشرة وجود أدوار نسائية أخري غير أم فوزية .. فلا وجود للجدة أو الأم أو العمة أو الخالة .. ولهذا كان عليها أن تصنع لنفسها " تراثا" غير تراث أم فوزية الشعبي .. تراثا خاصا بها ، ترسم هي فيه صورة   المرأة التي يمكن أن تشبهها .. وصورة الرجل الذي يمكن أن تتسق معه و يتسق معها..
****
أواخر العمر ..
تبحث في ذاكرتها عن حكمة ما من تراث أم فوزية عن المرأة في أواخر العمر! لا تجد شيئا. 
تري بماذا كان يمكن أن تنصح به الصبية التي لم تعد صبية؟ 
أينك يا أم فوزية !؟
" أبحث في تراثي المخزون فأجد بعضه أحلاما وبعضه أوهاما.. وأتأمل التراث الأنثوي السائد حولي، أكتشف أنه لا يختلف كثيرا عن تراثك يا أم فوزية.. فالرجل لديهن لا يختلف عن الرجل الذي عشِقته وأدمنتِ عذابه .. ورابطته بهن تتلخص في هذا المثل المحبب إلي نفسك :
   يا مآمن للرجال يامآمن للمية في الغربال .. 

لكم من مرة رفضتُ طعامك وحنانك بسبب هذه الحكمة الأثيرة لديك ! ولكم رفضتني وعاندتني وأشفقت عليَّ لأنني لم أتشرب مأثوراتك!

وأقف اليوم.. يا أم فوزية.. وأنا في أواخر العمر أو علي أعتابه، أُمعنُ النظر في حصيلتي الخاصة   أجد أن المرأة والرجل فيها ما زالا هما من صنع نفسيهما. هما يختارا لروابطهما رموزها ومعانيها. وهما يختارا للعمر، عمرهما، صوره وأطيافه وأحلامه. 
****
بيركلي.. كاليفورنيا .. كونٌ قائم بذاته فقد ذاكرة الزمان 
( من رسائل لم تُرسل) 
****

Saturday, April 18, 2015

شكرا لكل شاب منحنا لقب عانس في عمر الزهور..

"شكراً لكل شاب منحنا لقب عانس في عمر الربيع"

 كانت هذه عبارة لقارئة من قارئات مجلة سيدتي(1982) تعقيبا على حوار دار على صفحات المجلة حول تأخر سن الزواج لدى الفتاة والذي أُطلق عليه مُصطلح " العنوسة" ، والذي لم يكن غير وصمة اجتماعية عانت منها فتياتنا. 

تخيَّلْ..  فتاة تخطت العشرين بقليل أصبحت " عانسا" في نظر المجتمع وفي نظر الأمهات الباحثات عن " عرائس" لأبنائهن.
 
 " العنوسة" 
أو تأخر سن الزواج. 
وعزوف الشباب عن الزواج من جامعيات.. 

موضوعان كانا محل اهتمام ونقاش واحتدام بين الشباب.. كان ذلك منذ ثلاثة عقود وأكثر. 
فهل تغيرت مفاهيم الشباب عن الزواج ودوافعه؟ نعم تغيرت. 
لم يعد الزواج من جامعية معضلة، بل أصبحت الشهادة الجامعية عاملا جاذبا للعروس المرتقبة لدى فئة من الرجال، ليس بالضرورة لما قد يصقله التعليم الجامعي في شخصية الفتاة بقدر جاذبية الدخل الإضافي الذي قد يفرض وصايته عليه!    

لا لم تعد الشهادة الجامعية ، ولا التعليم العالي ولا الوظيفة عقبة في الإقبال على الزواج من حاملتها، بل تحولت المُعضلة إلى الفتاة نفسها ومقاييسها في من تقبل الزواج منه. وفي شعورها المتزايد بوجود هوة كبيرة في معرفة كل جنس بالآخر، مما يُصعِّب عملية التفاهم بينهم ويُحوِّل إمكانية الحوار إلى احتدام.  
***
في ذلك العدد - ٤٢ (٢٨ديسمبر- ٢يناير) ١٩٨١-١٩٨٢   كتبتُ يومها:

مازلت على اعتقادي بأن الفتاة العربية عامة لم تتوصل بعد لمعرفة دخائل الرجل .. مكنونات نفسه .. ماالذي يُخيفها وما الذي يعطيها الأمان والاستقرار. وكذلك الفتى، فهو مازال بعيدا كل البعد عن فهم نفسية الفتاة ، بل فهمها بشكل عام.  

هو .. لا يعرف ما الذي يريده "هو" منها، ولا يعرف ما الذي تتوقعه "هي" منه. 
بل وربما لا يعرف كلا منهما مايريد هو من نفسه.. وهي من نفسها. 
 بالطبع، هناك توقعات الأهل،  وتوقعات المجتمع من الزواج، ولكن ما هي توقعات الشباب ذاته، وإلى أي درجه يمكنه تحديدها بوضوح؟!

بصفتي- امرأة- يمكنني القول ان الفتاة العربية " المعاصرة"  لا تريد ان تتعامل مع الرجل على اساس المبدأ  المتوارث القائل :

الرجل طفل كبير..لو عرفتِ كيف توهميه بأنه السيد المطاع وبأن كل رغباته وأوامره مطاعة، سيمكنك اخذ كل شيء منه، وسيمكنك ان تجعليه خاتما طيِّعا في إصبعك!

هذه هي حكمة النسوة اللاتي نجحن في زواجهن! وهي الحكمة التي تحاول الكثير من الأمهات تشريبيها للبنات.

ولكن الفتاة العربية المعاصرة، جامعية كانت أو مثقفة أو عاملة.. وكل فتاة..  ترفض أن تكون مجرد "كم" في "شركة الزواج" لا تريد أن تستعمل "الدهاء الانثوي" للوصول الي الرجل. إنها باختصار لا تريده طفلاً كبيراً، ولكنها تصر على الفوز به رجلاً ناضجاً حتى وان كان الثمن هو "العنوسة"!

فهل يمكننا أن نسمي ذلك غروراً ؟ أم أنه دليل الاحترام والتقدير للرجل!

وأتساءل في 2015: أين نحن مما كنا عليه في 1982؟ 
أعتقد أننا خطونا خطوات واضحة نحو وعي أكثر بأن أي ارتباط صحيِّ بين الرجل والمرأة يتطلب الفهم المُتبادل بينهما ويصعب تحقيق ذلك بدون فهم كلِّ منهما أولا لنفسه. 
***
جدة - السبت 18/4/2015
***

Friday, April 17, 2015

حرفٌ في اعتكاف ..

وللحرف أيضا لحظات سكونه. 
أعتقد أن أحرفنا تُمثلنا. نستخدم نفس الأبجدية، وربما في ذات الكلمات أو المصطلحات.. 
ولكن.. حتى في ذات الكلمة تَعلقُ أنفاسُ مُحركها من سكونها، تحملُ نبضه.. تحملُ حزنه ربما،  أو فرحه .. أو ربما لا تحمل شيئا .. مجرد فراغ. 
كيف؟ 
خاطر غريب! كيف تكون الكلمة فراغا؟ 
هل هو فراغ المعنى ؟ 
أم فراغ الحسّ والإحساس؟ 
أم هو فراغ الروح.. كالجسد بلا روح تخرج الكلمة  .. مجرد أحرف متراصة بلا نبض ؟ 
ولكن أليس المُتلقي هو من يُسبغ المعنى على حروفنا في كلمة يقرأها؟ 
وهل يمكن أن ينفخ المُتلقي روحا في أحرفٍ بلا روح ؟ 
ولكن.. هل يهتم المُتلقي أساسا بالروح،  أم أن كل مايشد انتباهه هو  جسد الكلمة .. أيّ كلمة؟ 

أكيد هناك مُتلقي وهناك مُتلقي.. كما أن هناك حرف وهناك حرف. 
ومما لاشك فيه .. أو كما يبدو .. أن كل كلمة تستقطب مُتلقيها .. وكل مُتلقي يبحث عن كلمته.. 
إنها حالة خاصة .. مُعقدة نوعا ما .. كلٌ يبحث عن الآخر ربما احتياجا لإرواءٍ ما غير مُحدد المعالم أو النكهة .. 
أو ربما هو مُجرد الاحتياج لرفقة غير مرئية على درب البحث نحو مجهول بعيد. و قد يكون  هذا هو الاحتياج الأجمل والأنبل ..
***
ألهذا يصمتُ حرفي طويلا .. 
يسكن إلى نفسه مهابةً أو تخوفا من أن يحتويه الفراغ، فيتحرك كالجسد الميت بلا نبض، بلا روح .. تخوفاً من أن يتوقف نبضه ويكون مآله كلمة مافيها غير  فراغ ! كالوجه الباهت بلا ملامح .. بلا تعبير .. بلا لغة تُقرأ لتُحيي  فينا معنىً يُناضل  من أجل الحياة؟ 
***
جدة
  الجمعة/17/4/2015
28 جماد الثاني  1436
***