Thursday, May 31, 2012

عندما يتحاور الفكر علي مسمعٍ....

فضفضة فكرية….
عندما تتكلم أفكارنا بعفوية وبساطة, وبدون حسابات أو مخاوف, أو ترتيب منطقي.. نقول عادة أننا نفكر بصوت مسموع. أي أن الأفكار تنساب بما يشبه عملية ” التداعي الحر ” علي كنبة الاسترخاء لدي المحلل النفسي.
ولا تنطلق أفكارنا بصوت, تحاور نفسها, تحاول استجلاء تشكيلاتها حول معني معين إلا في حالة من الاسترخاء والتأمل. في هذه الحالة نتمكن من الولوج إلي مستويات أعمق.. إلي ما يكون معتملا في منطقة الفكر من فوضي وتداخلات أو غموض.
فيكون التفكير بصوت مثل الفضفضة, ولكن فضفضة فكرية. يحاول استجلاء ما بين طبقات الضباب, أو الوصول إلي صفاء ما خلف الغيوم.
ولا نفعل ذلك إلا مع أنفسنا, إذا كنا ممن يطمئن إلي نفسه ولا يخافها..أو إذا كنا ممن يصادق نفسه ويثق فيها. أما في حضرة شخص آخر أو آخرين , نحن لا نفكر أمامهم بصوت مسموع إلا إذا شعرنا بالاسترخاء معهم والاطمئنان. و في كثير من الأحيان عندما نريد الإشارة إلي صديق مؤتمن أو حميم, نقول : أنه ممن نستطيع أن نفكر معه أو أمامه بصوت مسموع.
والكاتب يفضفض علي الورق, أو علي شاشة ” اللاب توب.” فهو لا يرتاح إلا عندما يجمع خلاصة صوت فكره ويضعه علي الورق. هذا إن نضجت الفكرة قبل الشروع في عملية الكتابة. وأحيانا كثيرة لا تكتمل الفكرة إلا مع الفضفضة علي الورق. يستمع إلي صوت أفكاره وفد تحول إلي حروف و كلمات وجمل وتشكيلات.
ولكن يبقي دائما سؤال : هل نجحت الكلمات في حمل الفكرة من رأس صاحبها, وتركت لها مقعد الصدارة علي الورق ؟ أم أن فعل الكتابة يستدعي بالضرورة التنافس بين الكلمة والفكرة؟ أم أنه فعل الرقابة, أيا كان مصدرها ؟
فعل الكتابة هنا هو عملية تحويل الصوت, بكل أبعاده وانفعالاته الداخلية وتفاعلاته مع الخارج, إلي نص مقروء.. حيث الأذن تُستبدل بالعين, من أذن صديقة إلي عين متلقي يكون في الواقع غريبا. وليست كل عين قادرة علي استجلاء ما قد تعجز ( أو تحجم ) الكلمات عن ترجمته من هذه الأبعاد والانفعالات, وهي ليست مطالبة بذلك. و إن تمكنت, فهي إما أن تكون مدربة ( تدريبا نقديا أو تدريبا رقابيا), أو أنها مازالت علي فطرتها من حس مرهف وشفافية.
الأذن تُستبدل بالعين, ولكن الفكر يظل حاضرا.. وإن كان يُستبدل بفكر المتلقي , يؤول ويحكم ويحدد خلاصة ما خرج به من النص. وحتى صاحب الفكرة, بعد أن يتحرر بفعل الفضفضة ومن ثم الكتابة يتحول بذاته إلي متلقي لذاته, متأملا وجه الشبه أو الاختلاف مع نصه. وربما مكتشفا ملمحا أو بعدا جديدا في منظومة أفكاره كان مغيبا عن إدراكه من قبل.
وهكذا تستمر عملية التفكير,
بصوت أم بصمت..
تستمر تدوينا بحرف, أم بلون, أم بلحن..
تستمر تفاعلا وانفعالا..
عملية تستنفر التفاعلات الداخلية من مشاعر وأحاسيس وتأملات.. تستجلي الانعكاسات ما بين الداخل والخارج..
تنحت من المخزون المعرفي ما يفسر لها مستجدات الحياة التي قد لا تشبه صاحبها, أو لا يشبهها, ويجد نفسه بينها غريبا.
ولا تكتمل دورة عملية التفكير إلا عندما يطرح صاحبها نصه خارج ذاته. لتبدأ عملية التفكير دورة جديدة, قد تبدؤها بجلسة ” عصف ذهني” أو أنها تدخل في الموضوع مباشرة. أو قد تُوأد في مهدها ازدراءً (وقرفا) من المحاولات المستمرة للنيل من الفكر والتفكير الحر والتعبير التلقائي.
ولكن يشدني الآن سؤال محير : أحيانا ما يعتمل في النفس شيء ما أو معني أو شعور طاغ , لا يحتمل انتظار اكتماله في فكرة, أو انتظار الكلمة التي يمكن أن تترجمها, فيخرج معبرا عن ذاته بمفردات تبدو في حينها غريبة. حتي كاتبها يقف مشدوها أمام غموض مصدرها..مشدوها بطفولة لم تتمكن منها بعد معاني الخوف.
أمِنْ هذا المصدر الغامض تتوالد اللغة بمفردات جديدة تبدو في حينها مبهمة المعاني ؟ أم أنها مجرد ولادة معاني وقراءة جديدة لمفردات اللغة الأصل , تتخطي كل حواجز الخوف والتحسب؟
و كيف نفسر هذه الحالة؟
هل هي الحالة التي تخبو فيها سطوة العقل, كموطن الفكر, أمام سطوة الروح ؟!
***
January 11, 2011
جدة
نشرت في منبر الحوار والإبداع

Wednesday, May 30, 2012

الحرب الحقيقية في داخلك أنت .!

إبحث عن نفسك ..!
وقفة للتأمل :
أكبر إعاقة : الخوف
أكثر امتلاك بلا فائدة: الكبرياء
أكبر خطأ : الاستسلام واليأس
أكبر عقبة : الأنا المتصلبة
أسوء إفلاس : فقد الحماس
أكثر شخص كريهه : الذي يشتكي من كل شيء
أحقر شعور : الحسرة لنجاح الآخر
***
أفضل يوم : اليوم
أكبر راحة : عمل أُحسِنَ أداؤه
أعظم مانحتاج : الإستفادة من بديهيات الحياة
أفضل هدية : التسامح
أعظم لحظة : الموت
أعظم شيء في الحياة : الحب
المعرفة العظمي : الله
***
(مصدر غير معروف ، من كتاب :chicken soup for the surviving soul)
***
تعودنا قراءة مثل هذه العبارات إما في باب حكمة اليوم، أو أحيانا ضمن الأقوال المأثورة التي ُتكتب خلف صفحات التقويم. انها في مجموعها تشكل منظومة فكرية/نفسية، قابلة لأن تكون منهاجا حياتيا سهل التطبيق. وهي في الحقيقة ترتبط بطبيعة الإنسان أينما وُجد، وتلخص تجاربه الحياتية أينما كانت. وتصبح بمرور الوقت من بديهيات الحياة التي لا تستوقفنا كثيرا، بل وتأتي سلوكياتنا الحياتية مخالفة لها.
تمعَّن الحياة من حولك لحظة.. حتي حياتك .. ستكتشف أننا نتحسَّر علي الماضي كثيرا، نخاف المستقبل، نضيع اليوم في الشكوي والغضب والمؤامرة ضد عدو نصنعه من مخاوفنا.. لتكتشف آخر اليوم أنك لم تحصد منه غيرالمزيد من الإحباط والضياع. ويشعر الواحد منا أنه في حرب مع الحياة وبمن فيها. بينما في واقع الأمر أن الحرب الحقيقية دائرة داخل نفسك.. بينك وبين نفسك!
قلة قليلة مَنْ تدرك أن هذه البديهيات المشار إليها في بداية الموضوع، هي منظومة بسيطة يمكن أن تُدوزن لنا إيقاعنا الفكري والنفسي والسلوكي بما يحقق لنا السلام مع النفس.
قلة قليلة من تعرف كيف تبني " مدائن" شخوصها ونفوسها علي قواعد من هذه المعاني.
فالأكثرية عادة تجدها صعبة ..و مستحيلة .. صعبة في أن تتبني رؤية متفائلة إيجابية للحياة ، ومستحيلة في التغلب علي أسلوب التفكير السلبي القائم علي مشاعر الخوف ، والغيرة ، والإحباط ، واليأس ، والمكابرة .....
البعض يقول هذه كلها مشاعر لا نستطيع التغلب عليها ..
نعم .. مشاعر إنسانية موجودة لدينا جميعا . ولكن المشاعر وجدت فينا لمساعدتنا علي البقاء والارتقاء من خلال التجربة والتعلم. ولكن عندما تخرج عن وظائفها الإيجابية تُحدث بداخلنا إعاقات وتشوهات نفسية ..
صحيح أننا كثيرا ما نجد أنفسنا في بيئة ثقافية تعزز الشكوي الدائمة .. والخوف .. والتذمر .. والحسد .. والقابلية للإنهزام السريع .. وتقصي أخطاء وعيوب الآخرين .. والانتقاص من حق الناجحين .. وبتأثير من التربية علي هذه المنظومة تتشكل شخصياتنا ..
ولكن !هل نستسلم ؟ أين المسئولية الفردية في الخروج من هذا النمط ، أو تداركه و إصلاحه .. علي الأقل في نفسك ؟
وهنا المحك .. نسير في طاحونة الحياة حاملين معنا في رؤوسنا أفكارا وقناعات وعادات لا ندرك بوعي الصالح منها من الطالح.
قلة منا من تتوقف ، تتحرر من آن لآخر من طاحونة الحياة .. تنفرد بنفسها.. تُقيِّم ذلك الذي يُشكلها... تُرتب وتُنظف .. وتُعيد صياغة ما يحتاج إلي إعادة صياغةٍ وترتيبٍ وتطهير .
العملية شاقة .. نعم
مستحيلة .. لا !

Monday, May 28, 2012

المشهد المصري : الجمهورية الأولي .. أم !؟

المشهد المصري : "ماأسوء من ستي إلا سيدي ! "
تحملُ الساعات القليلة القادمة مفاجآت ، بعضها مُتوقع ومُراهنٌ عليه، وآخر قد يكون بالفعل غير ذلك. المقرر أن تُعلن النتائج النهائية للإنتخابات الرئاسية المصرية غدا، الثلاثاء 29 مايو. فهل ستٌعلن، أم ستؤجل لحين البت في الطعون المقدمة من بعض مرشحي الرئاسة؟
وهل سيبقي السباق في الإعادة بين الدكتور محمد مرسي و الفريق أحمد شفيق، كما أعلنت اجتهادات الإعلام المصري؟ أم أن المفاجأة المتوقعة/ المرجُوة ستدفع ب السيد حمدين صباحي للمنافسة في جولة الإعادة ؟
في الواقع منذ إقفال صناديق الإنتخاب، والكل يعيش حالة ترقب .. ثم كانت الصدمة باختيارات الشعب المصري، إما العودة لنظام مبارك مع بعض الرتوش، أو الوقوع تحت حكم " الإخوان والمرشد" ! وخاصة أن من كان يمثل الإسلام السياسي المعتدل في شخص الدكتور أبو المنعم أبو الفتوح قد اُستبعد من السباق!
خياران عزَّزا الشعور بأن مصر باتت رهينة بين المطرقة والسندان، ولا مخرج ، أو ثقب من نور ، أو بصيص أمل إلا بمعجزة !
كما أفرزت النتائج (غير الرسمية حتي الآن) الغضب الكامن في النفوس علي الشعب ، وعلي الثورة والثوار، وعلي مرشحي الرئاسة المحسوبين علي التيار المدني / الثوري بتحميلهم مسئولية تفتيت الأصوات بين عدد منهم.
ومن المُسْتتِر ارتفع استعدادٌ انتهازيٌ دفين لدي البعض بإثارة النعرة التقسيمية بين الأقباط والمسلمين ، ممثلا في إنقسام الأصوات بين الدولة المدنية ممثلة في شفيق، والدولة الدينية ممثلة في مرشح الإخوان .
*******
وأعود إلي ما دونته من انطباعات خلال الأيام القليلة السابقة حول المشهد الانتخابي المصري.
** اليوم الأربعاء ، 23 مايو،
أفرحُ مع كل مصري ذاهب لصندوق الانتخاب، ينتخب بضمير وهو يفكر في الشهداء اللذين أتاحوا له فرصة الاحساس بالحرية وهو رايح ينتخب ..صحيح أي رئيس ستنتخبه مصر هو رئيس انتقالي، ولكن اختيارك للشخص سيفرق كثيرا في اعتبار الثورة والثوار ..
** اليوم الجمعة، 25 مايو،
فتحت عيني اليوم أفكر في الانتخابات. الكل مترقب من سيفوز! وفي لحظة تأمل شعرت أن المكسب الحقيقي هو ما ستكشفه هذه الانتخابات عن توجهات الشعب المصري، وعما يحدث في كواليس السياسة .. المكسب هوما سيتعلمه الشعب من دروسٍ نتيجة اختياراته، قد يكون بعضها قاسيا. أما من سيفوز بمقعد الرئاسة فهو في إحساسي الخاسر الأكبر!
وأتساءل : هل ستعْبُر مصر حقا إلي جمهورية جديدة؟ و هل سيكون عبورها إلي الجمهورية الثانية ( أو الثالثة كما يصرمحمد حسنين هيكل وحمدين صباحي) بثورة 25 يناير ، أم أنها ستعبر علي دماء الشهداء !؟
وهل يعني هذا أن صفحة من التاريخ ستُطوي علي الحلم ؟ أم أنها صفحة تُفتح علي حلمٍ أكثر تبصرا.. وإن جاءت ملطخة بدماء الشهداء ؟
** وتُعلنُ النتائج الأولية. شفيق ومرسي ! إما دولة مستنسخة من النظام القديم، وإما دولة المرشد!
خبطة كبيرة علي رأس من راهنوا علي عمر موسي وعبد المنعم أبو الفتوح!
وصفعة علي وجه القوي السياسية " الثورية / اليسارية/ الاشتراكية/ العمالية ..."
وطعنة في قلب ثورة 25 يناير، بعد أن سُددت لها طعنات متتالية في الظهر، طوال خمس عشرة شهرا منذ اندلاعها.
ويُستهدف " الشعب" كأول من تُصب عليه اللعنات !!
وعلي ضوء النتائج الأولية أتساءل : قامت في مصر ثورة ولكن هل أرادت فعلا أن تخرج من عباءة نظام مبارك ؟
الرغبة قد تكون بكل تأكيد موجودة ولابد أن تُدعم بالإرادة.. ولكن .. هل يمكن أن تُترجم إلي فعل علي أرض الواقع وهي مكبلة بميراث من القهر والظلم ؟
فنتيجة الانتخابات هي تعبير عن قهر سنوات طويلة غُيبت فيها قيم كثيرة علي رأسها الكرامة، والعدالة ، والمواطنة. هي تعبير عن الخوف الذي مازال يعشش في النفوس والعقول والقلوب ، ونمت له جذور طالت الروح.. شباب الثورة نزع فتيل الخوف .. ولكن ...
وأُدوِّن: .الشعب خارج من عقود من الظلم والقهر وتكميم الأفواه وتغييب الوعي، لا تلوموه.. بانت مناطق العَوار، عالجوها، ابدؤا بالعمل لا بالعويل. و بكل ما تحمله الانتخابات الرئاسية في مصر من عَوارْ... زمن ال 99.99 في المائة قد انتهي انشاء الله بلا رجعة ..وهذا للثورة إنجاز.
** النتائج تبدو صادمة للوهلة الأولي . ولكنها في نفس الوقت لا بد أن تكون غير مفاجئة إذا أدركنا أن من يعيش تحت ظلمٍ واستبدادٍ لفترة طويلة، وسكتَ عليه، وبرَّره ،وتماهي معه، وتشرَّبه، يحتاج إلي وقت كي يُعالج منه ..ويبقي فيه حنين خفي إلي شخصية القاهر.. هو فقط جدير بالاحترام وبالتنازل له عن حرياتنا .. حالات كثيرة مثبتة بدراسات علم النفس وعلم النفس السياسي.. ويبدو أن هذا ما لم يُدرك جيدا. ولم يُحسب حساب أن "الدكتاتورية" مازالت قابعة في جوهر الشخصية المصرية والعربية عموما..
هذا بجانب الأخطاء العديدة والمناورات السياسية الممنهجة للوصول إلي خيارين كلاهما علقم مرّ..
** وأبحث عن منافذ للضوء تنقذني من السقوط في بئر التذمر واليأس.
فأنا من جيل الستينات، وهو أكثر جيل عاش الأحلام والانكسارات معا .. من السهل أن يُطوي الإنسان دفاتره ويستغرق أو يهرب أو يتحول .. أو يدمن .. حتي الهروب يمكن أن يتحول إلي إدمان ..
مشكلتنا أننا نركز علي النتائج الفورية : إما مكسب أو خسارة .. أدرك الآن أن المكسب والخسارة في الحياة أمور نسبية.. لأن المكسب الحقيقي هو في الدروس المستفادة من التجربة أيا كانت . واعتقد أن نتائج الانتخابات المصرية هامة بأهمية ما كشفته من زوايا وحقائق من واقع حياة الشعب المصري، ومكونات شخصية المصري لم تُأخذ في الحسبان. ورب ضارة نافعة .
ولأن ما حدث في مصر هو بمثابة الزلزال الذي قلب الأرض رأسا علي عقب ، أُمنِّي نفسي بأن الأرض ستعود أكثر خصوبة واخضرارا، ليس لعبقرية أحد وإنما لأنه قد آن الأوان كي ينهض العرب والإسلام ، ولن يتم إلا بنهضة مصر أم الدنيا .
نعم يامصر ، اذا كان في شعبك ثلث خايف، وثلث آخر بايع .. وتبقي لك ثلث واعي وصاحي .. لا تحزني يا مصر هو ده اللي هينوَّر لك الطريق..
تخيلي يا مصر حجم الإنجاز .. أن يُصبح المواطنُ هو من يُخطَب وده وصوته من 13 مرشح رئاسي !! هذا حلم كان صعب المنال طوال عقود من الزمان .. يعرف قيمته، ويفرح به، ويتفاءل له من كان من جيل الستينات .. أو حتي من وُلدوا في عهد مبارك من بدايته، ولم يعرفوا غير بابا مبارك وماما سوزان ..
وتخيلي أن شعبك أصبح يعرف كيف يُعاقِبْ، بعد أن كان لعقودٍ طويلةٍ هو المُعاقَبْ دوما! لقد جاءت نتيجة تصويته عقابا للنُخب ولكل من استهان بحقيقة المشهد علي الواقع .. بمعني أنها "نتيجة عقابية.." في رأي أغلب المحللين.
** نعم يامصر .. الثورة كالحب حالة معقدة.. ومطلب صعب، كي يتحقق .. يحتاج إلي الكثير من العمل ،والصبر، والإرادة، والتضحية، وإخلاص النية ....
*******
جدة 28 مايو 2012
٨ رجب ١٤٣٣

Sunday, May 27, 2012

يا الله ..النجدة يا الله ..

يا الله ..
وقفت فوق سُجَّادتي كي أُلبي النداء .. ما استطعت ياربي ..
تجمَّدتْ قدماي..
ضاعتْ الكلمات..
استعوذتُ من الشيطان الرجيم واستغفرتْ..
فما عادت الذاكرة بالآيات..
أردت البكاء بين يديك، حتي الدمع تحجر في العين.
وقفت خجلي، وجلة ، خائفة..
تلبَّسني سؤالٌ واحد : كيف سأقابلك ، ربيِّ، يوم الحساب؟
اغفر لي يارب.
سجدتُ فوق مصلاتي دون إقامة صلاتي ، أحاكيك ، أناجيك ، وعلامةُ استفهامٍ واحدةٍ تتردد في داخلي: كيف .. كيف ؟
والصورة ماثلة أمامي علي سجادتي .. جثامين الأطفال في أرديتها البيضاء .. وقد تحولت إلي أرقام، وكأنها لم تكن فقط بالأمس أرواحا بريئة تجري وتلعب .. تأكل وتشرب.. وترسم ككل الأطفال من خيالها صورا وتلاوينا ..
كيف ، ياربي..؟
اغفر لي السؤال !
كيف يحدث ما يحدث؟ ولماذا ؟ قتلُ الطفولة .. بل ذبحها ؟؟
لا العقل قادر علي الاستيعاب ..
ولا القلب اصبح قادرا علي الاحتمال..
لماذا يحصدون أرواح الأطفال في حروب الغباء والقهر والظلم ؟
و من أجل ماذا ؟
أهذا ما ستنتهي إليه بشريتُنا ياربي ؟؟
نتجردُ من كل معني إنساني ،ومن كل صفة إنسانية، ونتحول إلي كائنات لا مسمي لها .. لا أود تسميتها بالحيوانية .. ففي قلوب الحيوانات رحمة، ولهم آداب حتي عند القتل من أجل الطعام ..
لا ياربي هؤلاء ليسوا بشر ..
هؤلاء القتلة من طراز آخر، ونوع آخر، تفرزه لنا حياةٌ يغيب عنها المنطق ، وتغيب عنها الرحمة .. تغيب عنها كل المعاني غير تلك اللاآدمية ..
الآن أدرك حقيقة الشيطان .. أري أفعاله .. هؤلاء القتلة لا يمكن أن يكونوا غير شياطين الإنس .. وما أكثرهم ياربي.. أُبتلينا بهم في كل بقعة من بقاع أرضك .. يقتلون ويعربدون، يحرقون الأخضر واليابس .. من أجل ماذا ؟ كرسي؟ سلطان ؟ حكم ؟
أم أنه شقاءٌ محتوم كُتب علينا ..
كيف يحدثُ ما يحدث تحت بصر العالم وسمعه؟
أين العلماء ؟
أين رجال الدين الذين يمطروننا صباحا مساءا بفتاويهم التكفيرية علي هذا وذاك .. علي كل صغيرة في حياتنا الشخصية واليومية !
أينهم من هذا القتل الجماعي للأطفال ؟ وهذه المجازر التي لا طائل لها ؟
أين حُراس الدين وخُدامه وحُماته ؟
أين أصواتهم ؟
وأين أموالهم ؟
وأين سياساتهم ؟
لا نأخذ منهم غير اجتماعات ومؤتمرات وتصريحات وإدانات .. وكأنهم جميعا افتقدوا القدرة علي الفعل ! فقط أصواتهم نسمع !
ياربي .. لا نصير لنا غيرك!
فما تبقَّي في هذا العالم لدي من يتولون أمورنا .. صدقٌ.. ولا خوفٌ منك .. ولا رحمة .. ولا إنسانية ..
ما تبقيَّ يا ربي كائنات شيطانية بكل تأكيد ..
ويبقي سؤالي : كيف سأقابلك ربي يوم الحساب؟
وكيف سأبرر صمتي ، وهناءة عيشي ، وإغفاءة عيني ؟؟
بينما هناك طفل يُذبح بلا ذنبِ ؟
سامحني ياربِ..
*******
جدة 27 مايو 2012

Saturday, May 19, 2012

لون .. وحرف .. وحوار مع البحر ..

تلك المسكونة بوجهه..
هذا المركبُ العتيدْ.. أتاح لهما فرصةَ اعتزال الحياة إلا من صوت البحر، ورائحته، وغربة ما.
غربة ما عن الناس، و الأضواء، وعالمهم.
حملا غربتهما ، رحلا بها عبر هذا المركب إلي عرض البحر.. حيث لا بداية تُري ولا نهاية.
هنا علي سطحه ، التقته لأول مرة بلا سابق موعد أو معرفة.
وهكذا استمرت خطاها ، كدقات ساعة لا تخطئ، بلا سابق موعد تلتقي خطاه.
فقط الحدس. الحدس لديها بأنه هناك. والحدس لديه أنها ستأتي.. لا بد وأن تأتي.
ما خيَّب حدسها أبدا. وماخيَّبت حدسه.
يحضر هو حاملا دفترا صغيرا.
وتحضر هي وبصحبتها ريشة ومجموعة ألوان.
هو يحاور البحر ويكتب.
هي تتأمل البحر وترسم.
هذا كل ما عرفته عنه.
دفتر صغير، وفكر ينساب، وتداخل ما بينه وبين البحر.
لم يكن هناك شيئ آخر يهم. وماذا أهم من أنه كان هو... يحاور البحر ويكتب.. يحاور ويكتب..
وهنا علي سطح هذا المركب العتيد حيث لابداية تُري ولا نهاية ، أخذت هي ترسم.
ترصد لون الليل،
وترصد صوت الصمت.
وبين الليل والصمت يستغرقها التأمل :
هذا الموج .. أيمكن أن تكون موسيقاه غير بوح عاشق .. أو نوح حبيب فقد حبيبا ؟؟
ترصد وتتأمل وترسم.
لوحات ولوحات. يكشف لها الليل فيها عن لون بألف طيف وطيف.
وصوت الصمت،
وأصداؤه..
رعودا تأتي .. تزلزل كل دواعي الصمت في النفس.
وأحيانا ، همسا وحنينا تأتي،
وأحيانا بوحا وأنينا !
ترصد ، وتتأمل، وترسم.
ووجهه..
ينساب إلي تكوينات ريشتها ، يتخللها، ينتشر فيها.
وسؤال كبير كبير لا يفارقه،
يفجر الملامح.. يقوض المدائن !
لون الليل ، وصوت الصمت، وهمس الموج، ووجهه ..
هو يحاور البحر ويكتب،
بالإصرار يزيح الأنقاض ويبني .. حرفا .. بيتا .. علَّه ينسج من خياله حلما ..
وهي ترصد ، وتتأمل ، وترسم.
وجهه يفترش اللون.
وجهه يسكن ريشتها.
وريشتها هي عمق العمق في روحها. وكأنها بها ، تلك المسكونة بوجهه، تتحول إلي طبيب قدره أن يكتوي بنار الجرح فيه كي يلتئم ..
ويغفو هو ورأسه علي الدفتر الصغير، يهدأ من عناء السؤال الكبير.
وتظل يقظة هي.. والبحر، ولون الليل، وصوت الصمت.
فقط تتأمل وجهه وسرَّه الكبير.
*******
من ( كتاب يبحث عن عنوان)

Tuesday, May 15, 2012

يا صديقي الحب ..(1)

مكان .. والتقاء..
المكان.. أشبه بالحلم ، ليس غريبا ، وليس بعيدا..
هنا .. في أحضان البحر ...
هنا ، في هذا المكان الذي يشبه الحلم اغتسلتْ نفسي من كل بواعث التعبِ الذي يبدو أحيانا بلا نهاية.
هنا .. ضحكتُ .. طربتُ .. تسابقتُ مع الطفولة في انطلاقتي. وفي لحظة استرخاءٍ وراحةٍ أسترجع فيها أنفاسي، بدأت الوجوه كلها تتداخل.. تتلاشي .. تتحول إلي وجه واحد.
هنا .. وفي هذه اللحظات تتحول الأنغام الفرحة الشابة إلي صوت " أم كلثوم" يشدو ، مستنهضا فينا الندم علي كل لحظةٍ مرَّت من عمرنا بلا حب.
وحينا آخر ، أخال صوت الموج يأتي حاملا معه " فيروز" وعبق الزهر في صوتها ، يوقظ فينا مكامن التأمل والتطلع إلي ملامسة ذلك المدي البعيد حيث عناق السماء والبحر ..
هنا تحول الكل وأصبح واحداً. أصبح أنتَ.
هنا تحتم التقاؤنا ..
جئتَ كالمفاجأة التي نحلم بوصولها.. نترقبها كأطفالٍ دون أن ندرك ماهيتها أو مناسبتها.
كحلم الطفولة بأن خيطا ما من السعادة.. خيطا مميزا سيلفنا في إطاره ذات يوم.. هكذا كان مجيئك.. دون أن نستدرك في أي يوم كان ..أو بأي طيف من السعادة .. أو بأي خيط !
فقط نحلم... نرسم في الخيال تلك العوالم التي سيأخذنا إليها بساط الريح..
نحلم .. ونسعد بالحلم لذاته.. وقد ننساه أو ينسانا.
هكذا كان مجيئك..
كحلم الطفولة التي نسيانه أو نسانا.
ويمر الزمن .. بأيامه وسنواته .. لنجده فجأة أمامنا .. يُناظرنا في أم العين .. يهمسُ مناديا من عمق ما في الداخل : إنه أنا .. أنا الحلم الذي صنعتموني ذات يوم من خيالكم .. ونسيتموني ولم أنسَكُم .. !
علي غير موعد أو ترقب نراه واقفا ، واعدا بأمطار غير ما ألفناه من مطر .. وبسُقيا غير كل ما عرفنا من ُسقيا..
*******
وتخترق بكل هدوء كل الحدود.
ويمزقُ صوتُك برفقٍ كلَّ أغشية الدهشة التي تكاد تلجم قدرتي علي النطق.
و تتساءل : هل لي أن أعتذر منك هذا الإقتحام؟
و تُجيبك دهشتي : لا .. حقيقة أنني لم أترقب حضورك اليوم أو الأمس .. ولكن ..
ويُعاود : ولكنَّ ترقبك هوالذي استحضرني .. أتذكرين ! .. لقد أسررتِ للبحر ذات ليلة ب "حلمٍ".. ورحلتِ ..
وأعاود : الحُلمْ ! ..
تباً للطفولةِ !
تنسج الأحلامَ من الخيال ،
ومن الأحلام تبني حياة ..
تلونها بألوان لا تراها غير عينها ..
وتكتبها بأبجدية لا يقرؤها غير وجدانها ..
.. تبنيها قصورا من رمال
تخبئ فيها شيئا من نفسها
فهل كنت أرقب حضورك منذ أمد ؟
من منا بادر بالنداء .. ومن منا استجاب ؟
ويتساءل : أتمنحينني فرصة ثانية لإستعارة عينيك للتأمل بهما .. ولا تغضبي إن أخبرتك أنني بهما فقط أجيد قراءة البحر .. !!
وأقول: أنت لم تستعر قط رؤيتي .. فقط لامست الجذور فيها .. ولم تحاول اقتلاعها .. بل حنوت عليها وتركتها تنمو وتتمدد ..
وتقول : إعتراف آخر .. أكتشف أن رؤيتك تسكنني .. تحتويني . يتلاشي في حناياها كياني ! حينها أخافك .. أكرهك .. أحبك .. أشتهيك.. فأعاود الاختفاء من جديد !
وأقول : دعني أحاول قليلا استيعاب ما يحدث .. جذور رؤيتي عندما نمت ، تمددت .. يبدو أنها وصلت إلي أرضك . هناك يبدو أيضا أنها تداخلت مع بعضٍ من جذور رؤيتك . هذا التداخل أنبت لك رؤية هي لك .. وهي مني . ولكني أشعر أنك مازلت تبحث من خلالي عن معني مازال مبهما في داخلك.
وتقول: كنت أعتقد أنني واضح وضوح الشمس !
وأقول: هنا يكمن جمال الاكتشاف. الاكتشاف بأن النفس مازالت مليئة بالأسرار التي لم تنفض عن مكنوناتها بعد. وهنا يكمن أيضا جمال العمر الذي نعيشه الآن، عندما نكتشف أن العمر الذي انقضي لم يأخذ معه كل الدهشة والفرح والقدرة علي الحلم ..
وتقول: تعتقدين أنَّ هناك سراً ، بل أسراراً مازالت في انتظار من يكتشفها؟
وأقول: ... وإلا كيف نستمر في الحياة بقلوبٍ تنبضْ وعقولٍ تفكر وطفولة تنسج من الخيال أحلاما ؟!

Sunday, May 13, 2012

لابد أن تُكسَرَ القشرةُ أولا ..

لابد أن تُكسر القشرة قبل أن يتمكن الطير من الطيران "
ألفريد تنيسون
The shell must break before the bird can fly
Alfred Tennyson
استوقفتني هذه العبارة طويلا. ليست لغرابتها أو لأنها أتت بجديد.
فكلنا نعرف ، بل وربما أغلبنا قد شاهد بيضة تفقص، تُكسر قشرتها.. ويخرج منها فرخا لطائر أو دجاجة. إن لم تكن سعيد الحظ في طفولتك وكنت شاهدا علي سر من أسرار الخلق وروعته، علي الأقل لا بد وأنك قد رأيت المشهد في صورة ، أو درسته في كتاب العلوم .. ربما !
وكلنا يعرف أن الجنين داخل البيضة عندما يكتمل نموه فإنه ينقر القشرة من الداخل كي يحدث فجوة يخرج منها . بمعني أن كلنا يعرف أن " لابد للقشرة أن تُكسر قبل أن يتمكن الطائر من الطيران"
وتصبح هذه المعرفة حقيقة بديهية لا تسترعي انتباهنا كثيرا.
ومع هذا وجدت العبارة تشد انتباهي، وتستوقفني في لحظات تأمل عميق بما فيها من دلالات نفسية واجتماعية بالغة الأهمية.
سحبتني إلي واقعنا نحن البشر ، وإلي مشاهد عديدة من حياتنا الإنسانية والاجتماعية.
كم من مشهد ومشهد مر عليَّ رأيت الإنسان فيه حبيسا داخل "شرنقة ما" ، بينما مطلوب منه أن يحلق ويطير ! و لديه من المعطيات الفطرية ما تؤهله لذلك.
نأخذ مرحلة الطفولة.. إذا تابعنا الطفل في مراحل نموه في السنتين الأولي، نجده توَّاقاً للحركة والاكتشاف. وأهم اكتشاف هو أنه كائن منفصل عن الأم، يمكن أن يبتعد عنها ويعود إليها حسب الموقف والاحتياج.
ولكن هناك من الأمهات والآباء من يعيق نمو الطفل نحو الخروج من الشرنقة .. الخوف الشديد علي الطفل ، عدم إتاحة بيئة للحركة والاكتشاف ، الإساءة وتعنيف الطفل عند كل حركة أو " خطأ" .. هذه كلها من دواعي الإعاقة النفسية/الإجتماعية لدي الطفل ، والتي تجعله عاجزا فيما بعد عن التحليق والطيران للتفاعل مع الحياة تفاعلا صحِّيا.
والحياة عموما مليئة بالمطبات والمفاجآت. بعضها سهل الاجتياز ، وبعضها سار.
ولكن هناك أيضا التجارب الصعبة علي المستوي النفسي والعاطفي والإنساني عموما. البعض منا قد يجد نفسه مضطرا للتفاعل مع التجارب الصعبة باسلوبٍ دفاعِّي ، بمعني أنه قد يحيط نفسه بغلالات، أو ربما بأسلاك شائكة.. مثل الخوف، و عدم الثقة في النفس، و الشك في نوايا الآخر.. تعوقه عن التفاعل الصحي مع الحياة . هؤلاء يحرمون أنفسهم متعة التواصل ومشاركة الآخرين أحزانهم وأفراحهم. بل قد يفقدهم الخوف وعدم الثقة القدرة علي المشاركة العاطفية والوجدانية مع الآخر.
الخوف هنا هو القشرة التي لم تُكسر قبل أن يتمكن الطير من الطيران !
حالات أخري من الإنحباس النفسي/ الإنساني، وهي حالات الإنغلاق الفكري.
هناك من البشر من يحبسون أمخاخهم أو رؤوسهم في نهج فكري محدد ، أو قناعة جامدة غير قابلة للمراجعة أو النقاش. هؤلاء يعيشون ويموتون دون اكتشاف روعة "الإكتشاف" ، ودون أن يتذوقوا طعم الحرية خارج بوتقتهم الضيقة التي يسجنون أنفسهم فيها. ودون أن يتعرفوا علي ملامح للجمال لا يشعر بها ويدركها إلا من كسر " غلاف البيضة"، وتغلَّب علي خوفِ المجازفة ، وسبح مع خياله إلي آفاق لا نكتشفها إلا بعد "الخروج".....
*******
جدة، 13 مايو 2012

Tuesday, May 8, 2012

رسالة شكر .. فيها دواء ..

عندما نتذكر المواقف..
في لحظة أسي , يسرع شريط الذاكرة باستعراض صور لمواقف من أناس ربطتني بهم علاقات ود و صداقة. بعض هذه المواقف ترك في نفسي الكثير من الحيرة والتساؤل حول معاني الوفاء والصدق و الاعتبار.. والتي تقوم أساسا علي احترام النفس, من وجهة نظري.
وتجرني مشاعري إلي العيش مرة أخري مع أحداث هذا "الفيلم الحزين."
عروض الأفلام السينمائية عادة محدود..في الحقيقية لها نهاية.
ولكن أفلامنا الخاصة الشخصية محفوظة دائما في الذاكرة, نستدعيها كلما لزم الأمر, وخاصة عندما نكون في حالة مزاجية "معكرة"..حالة مزاجية لا لون لها ولا طعم غير المرارة والحسرة.
ولكن أحمد الله, قبل أن يأخذني هذا الفيلم الحزين إلي أفلام شخصية أكثر مأساوية, حركت مؤشر الإرسال الداخلي قليلا.. بحثا عن منفذ أخرج به من هذه الحالة, والتي لا أحبها كثيرا. أخذني المؤشر إلي الجانب الإيجابي من مخزن الذاكرة..
فتذكرت نصيحة كنت قد قرأتها منذ سنوات في كتاب صغير بعنوان أترجمه ب : "لا تجهد نفسك علي الأشياء الصغيرة".
تقول النصيحة بما معناه :
" كلما تذكرت موقفا سيئا في الحياة أحزنك, بادر بكتابة رسالة شكر لإنسان ما تشعر أنه يستحق منك الشكر."
تغيرت ملامح وجهي تلقائيا وبدون أي جهد مني.
شعرت فعلا بوجهي يبتسم, ربما لأن المؤشر الداخلي بالفعل تحرك و بدأ "مزاجي" يخرج من السيناريو الأول الذي كان قد زاد مأساوية, وأخذ يدور ويدور حول هذه الفكرة..فكرة كتابة رسالة شكر.
لم لا ؟ فكرة جيدة!!
وبسرعة بدأت أتخيل وأتساءل :
ماذا ستكون؟ ولمن؟
وهل لأحد الأولوية؟
و هل أخطط لها, أم أكتبها بطريقة "التداعي الحر" دون تفكير مسبق ، حتى تتسم بالعفوية والصدق؟؟
وتوالت الأسئلة.. والصور.. والأفكار.. لأكتشف أن عرض شريط الذكريات المأساوية قد توقف.. إنتهي.. إنسحب.. وأنني بدأت(في خيالي) أكتب فعلا رسائل شكرٍ لعديد من الأشخاص..
وطالت القائمة.. ولم تتوقف!
وتساءلت : لماذا لا أحول هذه الرسائل الخيالية إلي حقيقة؟ عندها تصبح رسائلي بمثابة حديقة تجمع باقة متنوعة من الأزهار والورود… أتزود منها بين حين وآخر بطاقة من الحب والجمال, وتكون لي بمثابة الجاكيت الواقي حالة الإبحار مع الذكريات الحزينة.. أو استعادة أفلامنا الخاصة المأساوية.
ومن منا لا تحوي خزانة ذاكرته علي مثل هذه الأفلام؟؟
ويبقي السؤال: لماذا أنشر هذه التجربة وهي خاصة بي في هذه المدونة؟ الجواب بكل بساطة هو : الرغبة في المشاركة . مشاركة التجارب الناجحة في حياتنا. أحيانا تكون بسيطة وعفوية ولكنها تأتي بنتائج مدهشة.
وسبب آخر .. أننا عادة نفضفض للآخرين بمتاعبنا و بتجاربنا غير السعيدة ، ونستفيض في سرد حكاوينا المأساوية لهم . ولكن قليلا ما نشركهم معنا في تجاربنا السعيدة أو الناجحة في مواجهة مصاعب الحياة .. بل إننا نادرا ما نطمئن من حمَّلناهم همَّنا عندما يزول ما شكونا منه.
*******
وأعيدُ صياغة نصيحة كارلسون :
تغلَّب علي تذكُّر من لم يكن عند حسن ظنك به .. بتذكُّر من كان عند حسن ظنك به واكتب له رسالة شكر !
والآن فلتكن أول رسالة شكر أوجهها ل ( ريتشارد كارلسون) مؤلف الكتاب.
*******
Don’t Sweat The Small Stuff,by
Richard Carlson

Thursday, May 3, 2012

أنا بخير.. أنتَ بخير!!

ما هو سر هؤلاء الذين يسيرون دائماً وابتسامة رضى تعلو محياهم, ينظرون للحياة والأحياء نظرة تفاؤل وأمل بالرغم من كل مصاعب الحياة ومشكلاتها؟

إن السر يكمن في داخل هؤلاء. إن "داخلياتهم" قد وصلت لدرجة من التوازن والاتزان بحيث يسودهم الشعور بالارتياح والرضى, وتنبعث منهم النظرة الواعية والرؤية الواضحة. ويكون لسان حالهم هنا: إننا بخير .. أنتم أيضاً بخير! إننا نشعر بالأمان في الداخل فنراكم أهلاً له، ونشعر بالثقة في أنفسنا فنراكم أهلاً لها.

لا شك إن لهذا الكلام وقعاً حلواً على الأذان، وله رنة في المنطق في ساحة الفكر, ولكنه يبدو أيضاً كبيراً ونظرياً، حيث يصعب تطبيقه.

إذ كيف يمكن للإنسان أن يتخلص من آثار الماضي وتجاربه؟

كيف يحصر كل سلبياته التي قد تكون حفرتها الأيام في نفسه وفكره وحياته كي يقتلعها؟

ثم كيف يزرع بدلاً عنها شجيرات جديدة من الإيجابية والمحبة والتفاؤل والأمل؟

إن التساؤل صعب، وقد تأخذ محاولة الإجابة عليه أياماً وشهوراً من عمر الإنسان حتى يدرك حقيقة الآثار التي يكون حملها معه في حاضره من مراحل حياته الماضية.

حاول "فرويد" علاج هذه المشكلة عن طريق التحليل النفسي من أجل مساعدة الإنسان على استرجاع تجارب طفولته التي تكون قد أُختزنت في العقل الباطن واحتجبت عن مواطن الذاكرة والإدراك.

ونجح "فرويد" في علاج حالات من فقدان البصر والسمع والنطق والذاكرة, التي لم يولد بها أصحابها وإنما نجمت عن صدمات نفسية.

ولكن فعالية العلاج اقتصرت على فئات معدودة نظراً للفترة الزمنية الطويلة التي يتطلبها العلاج, بالإضافة إلى ضعف بعض الافتراضات النظرية التي ارتكز عليها منهج العلاج.

وهكذا يبقى منا المئات من الأفراد ممن يعانون من العمى والخرس والصمم وفقدان الذاكرة, ليس عضوياً وإنما معنوياً ووجدانياً ... هؤلاء كيف يكون علاجهم؟

كيف نطلب من الإنسان أن يحب وأن يغدق بالحنان بينما كانت طفولته محرومة منها؟

كيف نطلب من الإنسان أن يثق بغيره وذاكرته ما زالت تدير أمام عينيه شريط من خيانة أحب الناس إليه؟ كيف نطلب من الإنسان أن يؤمن بالصداقة ومشاعره ما زالت تتوجع من تنكر أعز الأصدقاء في أحلك الأوقات؟

هناك العديد من التساؤلات لأن هناك العديد من المآسي التي خلَّفت وراءها عشرات من النفوس الخائفة الحيرى.

نفوس تريد أن تتطلع, ولكن كيف؟!

كيف تثق لتتطلع!

نفوس تحن إلى التلاحم, وتحن إلى الارتباط, ولكن كيف؟!

كيف تثق لتمنح حنينها فرصة الانطلاق؟

إن تجارب الحياة الإنسانية حافلة بالبؤس والشقاء, ولكنها حافلة أيضاً بهؤلاء الذين استطاعوا أن يرفضوا البؤس ويتحدُّوا الشقاء. إن هؤلاء يرفضون النظر إلى أنفسهم كمجرد نتاج تفاعل ظروف الحياة وتلاعبها به. إنهم يرون أنفسهم إرادةً بإمكانها أن تستوعب وتتفهم وتتغلب وتبني من جديد.

ولكن كيف يمكن للإنسان أن يصل إلى هذه المرحلة من التوازن والاتزان كي يشعر بأنه على ما يرام وبخير؟ يتحقق ذلك عندما يواجه الإنسان حقيقة بسيطة ومهمة: وهي أنه هو المسؤول عن سلوكه وتعامله في حاضرة ومستقبله بصرف النظر عما يكون قد حدث له في الماضي.

إن تقبل الإنسان لهذه الحقيقة يساعده على تبديل الجوانب المعتمة في حياته بأخرى تكون أكثر إضاءة وإشراقة, وتنمي فيه القدرة على الضبط والتوجيه الذاتي, وبالتالي تمنحه فرصة اكتشاف حقيقة أخرى: وهي حقيقة حرية الاختيار. والمقصود بالاختيار هنا ليس اختيار الأشياء بقدر ما هو اختيار القرارات والاتجاهات والمواقف.

هكذا تشير لنا محاولات العلاج النفسي ـــ الاجتماعي الحديث, والتي تحاول مساعدة الإنسان على تصفية نظرته لحاضرة من ترسبات الماضي, شريطة أن يتولَّى هو الدور الرئيسي في العلاج, وأن يكون في مكتمل وعيه.

وقد نشر الطبيب "توماس هاريس" حصيلة هذه التجارب في كتاب أسماه "أنا بخير .. أنتَ بخير".

إن حصيلة الحالات العديدة التي درسها هذا الطبيب تفيد بأن الإنسان العصري يتوجع بسبب اختفاء النظرة المسؤولة من مرئياته وبالتالي ضعُفَ فيه الإحساس بالرغبة في مواجهة الصعاب, ومن ثم ضعُفَ الإحساسُ بالقدرة على إزالتها أو تحويل مجراها من حياته.

إن مثل هذا الشعور بالعجز هو من دواعي وهن النفس الإنسانية المعاصرة. إنها تفتقد إلى الإحساس بالإرادة. والإحساس بالإرادة يتولد عن وجود الدافع في نفس الإنسان ، ويبقى عليه قوياً الإيمان بأهمية العمل المخلص وبجدوى الخير, وبأنه لا يمكن أن يضيع هباء. هنا فقط يتمكن الإنسان من أن يصبح حراً, وأن يتحرر من قيود الماضي التي تكون قد كبلته بمرارتها وقسوتها.

رائع ذلك الكتاب الذي استطاع أن يوجز كل هذه الأسطر في العبارة التالية:

"الحرية تعني حرية الإرادة .. الإرادة لا تستطيع أن تعمل إلا حين يكون هناك دافع .. الدافع ينتج عن الاعتقاد بأنه يمكن فعل شيء ما "