مكان .. والتقاء..
المكان.. أشبه بالحلم ، ليس غريبا ، وليس بعيدا..
هنا .. في أحضان البحر ...
هنا ، في هذا المكان الذي يشبه الحلم اغتسلتْ نفسي من كل بواعث التعبِ الذي يبدو أحيانا بلا نهاية.
هنا .. ضحكتُ .. طربتُ .. تسابقتُ مع الطفولة في انطلاقتي. وفي لحظة استرخاءٍ وراحةٍ أسترجع فيها أنفاسي، بدأت الوجوه كلها تتداخل.. تتلاشي .. تتحول إلي وجه واحد.
هنا .. وفي هذه اللحظات تتحول الأنغام الفرحة الشابة إلي صوت " أم كلثوم" يشدو ، مستنهضا فينا الندم علي كل لحظةٍ مرَّت من عمرنا بلا حب.
وحينا آخر ، أخال صوت الموج يأتي حاملا معه " فيروز" وعبق الزهر في صوتها ، يوقظ فينا مكامن التأمل والتطلع إلي ملامسة ذلك المدي البعيد حيث عناق السماء والبحر ..
هنا تحول الكل وأصبح واحداً. أصبح أنتَ.
هنا تحتم التقاؤنا ..
جئتَ كالمفاجأة التي نحلم بوصولها.. نترقبها كأطفالٍ دون أن ندرك ماهيتها أو مناسبتها.
كحلم الطفولة بأن خيطا ما من السعادة.. خيطا مميزا سيلفنا في إطاره ذات يوم.. هكذا كان مجيئك.. دون أن نستدرك في أي يوم كان ..أو بأي طيف من السعادة .. أو بأي خيط !
فقط نحلم... نرسم في الخيال تلك العوالم التي سيأخذنا إليها بساط الريح..
نحلم .. ونسعد بالحلم لذاته.. وقد ننساه أو ينسانا.
هكذا كان مجيئك..
كحلم الطفولة التي نسيانه أو نسانا.
ويمر الزمن .. بأيامه وسنواته .. لنجده فجأة أمامنا .. يُناظرنا في أم العين .. يهمسُ مناديا من عمق ما في الداخل : إنه أنا .. أنا الحلم الذي صنعتموني ذات يوم من خيالكم .. ونسيتموني ولم أنسَكُم .. !
علي غير موعد أو ترقب نراه واقفا ، واعدا بأمطار غير ما ألفناه من مطر .. وبسُقيا غير كل ما عرفنا من ُسقيا..
*******
وتخترق بكل هدوء كل الحدود.
ويمزقُ صوتُك برفقٍ كلَّ أغشية الدهشة التي تكاد تلجم قدرتي علي النطق.
و تتساءل : هل لي أن أعتذر منك هذا الإقتحام؟
و تُجيبك دهشتي : لا .. حقيقة أنني لم أترقب حضورك اليوم أو الأمس .. ولكن ..
ويُعاود : ولكنَّ ترقبك هوالذي استحضرني .. أتذكرين ! .. لقد أسررتِ للبحر ذات ليلة ب "حلمٍ".. ورحلتِ ..
وأعاود : الحُلمْ ! ..
تباً للطفولةِ !
تنسج الأحلامَ من الخيال ،
ومن الأحلام تبني حياة ..
تلونها بألوان لا تراها غير عينها ..
وتكتبها بأبجدية لا يقرؤها غير وجدانها ..
.. تبنيها قصورا من رمال
تخبئ فيها شيئا من نفسها
فهل كنت أرقب حضورك منذ أمد ؟
من منا بادر بالنداء .. ومن منا استجاب ؟
ويتساءل : أتمنحينني فرصة ثانية لإستعارة عينيك للتأمل بهما .. ولا تغضبي إن أخبرتك أنني بهما فقط أجيد قراءة البحر .. !!
وأقول: أنت لم تستعر قط رؤيتي .. فقط لامست الجذور فيها .. ولم تحاول اقتلاعها .. بل حنوت عليها وتركتها تنمو وتتمدد ..
وتقول : إعتراف آخر .. أكتشف أن رؤيتك تسكنني .. تحتويني . يتلاشي في حناياها كياني ! حينها أخافك .. أكرهك .. أحبك .. أشتهيك.. فأعاود الاختفاء من جديد !
وأقول : دعني أحاول قليلا استيعاب ما يحدث .. جذور رؤيتي عندما نمت ، تمددت .. يبدو أنها وصلت إلي أرضك . هناك يبدو أيضا أنها تداخلت مع بعضٍ من جذور رؤيتك . هذا التداخل أنبت لك رؤية هي لك .. وهي مني . ولكني أشعر أنك مازلت تبحث من خلالي عن معني مازال مبهما في داخلك.
وتقول: كنت أعتقد أنني واضح وضوح الشمس !
وأقول: هنا يكمن جمال الاكتشاف. الاكتشاف بأن النفس مازالت مليئة بالأسرار التي لم تنفض عن مكنوناتها بعد. وهنا يكمن أيضا جمال العمر الذي نعيشه الآن، عندما نكتشف أن العمر الذي انقضي لم يأخذ معه كل الدهشة والفرح والقدرة علي الحلم ..
وتقول: تعتقدين أنَّ هناك سراً ، بل أسراراً مازالت في انتظار من يكتشفها؟
وأقول: ... وإلا كيف نستمر في الحياة بقلوبٍ تنبضْ وعقولٍ تفكر وطفولة تنسج من الخيال أحلاما ؟!
No comments:
Post a Comment