تلك المسكونة بوجهه..
هذا المركبُ العتيدْ.. أتاح لهما فرصةَ اعتزال الحياة إلا من صوت البحر، ورائحته، وغربة ما.
غربة ما عن الناس، و الأضواء، وعالمهم.
حملا غربتهما ، رحلا بها عبر هذا المركب إلي عرض البحر.. حيث لا بداية تُري ولا نهاية.
هنا علي سطحه ، التقته لأول مرة بلا سابق موعد أو معرفة.
وهكذا استمرت خطاها ، كدقات ساعة لا تخطئ، بلا سابق موعد تلتقي خطاه.
فقط الحدس. الحدس لديها بأنه هناك. والحدس لديه أنها ستأتي.. لا بد وأن تأتي.
ما خيَّب حدسها أبدا. وماخيَّبت حدسه.
يحضر هو حاملا دفترا صغيرا.
وتحضر هي وبصحبتها ريشة ومجموعة ألوان.
هو يحاور البحر ويكتب.
هي تتأمل البحر وترسم.
هذا كل ما عرفته عنه.
دفتر صغير، وفكر ينساب، وتداخل ما بينه وبين البحر.
لم يكن هناك شيئ آخر يهم. وماذا أهم من أنه كان هو... يحاور البحر ويكتب.. يحاور ويكتب..
وهنا علي سطح هذا المركب العتيد حيث لابداية تُري ولا نهاية ، أخذت هي ترسم.
ترصد لون الليل،
وترصد صوت الصمت.
وبين الليل والصمت يستغرقها التأمل :
هذا الموج .. أيمكن أن تكون موسيقاه غير بوح عاشق .. أو نوح حبيب فقد حبيبا ؟؟
ترصد وتتأمل وترسم.
لوحات ولوحات. يكشف لها الليل فيها عن لون بألف طيف وطيف.
وصوت الصمت،
وأصداؤه..
رعودا تأتي .. تزلزل كل دواعي الصمت في النفس.
وأحيانا ، همسا وحنينا تأتي،
وأحيانا بوحا وأنينا !
ترصد ، وتتأمل، وترسم.
ووجهه..
ينساب إلي تكوينات ريشتها ، يتخللها، ينتشر فيها.
وسؤال كبير كبير لا يفارقه،
يفجر الملامح.. يقوض المدائن !
لون الليل ، وصوت الصمت، وهمس الموج، ووجهه ..
هو يحاور البحر ويكتب،
بالإصرار يزيح الأنقاض ويبني .. حرفا .. بيتا .. علَّه ينسج من خياله حلما ..
وهي ترصد ، وتتأمل ، وترسم.
وجهه يفترش اللون.
وجهه يسكن ريشتها.
وريشتها هي عمق العمق في روحها. وكأنها بها ، تلك المسكونة بوجهه، تتحول إلي طبيب قدره أن يكتوي بنار الجرح فيه كي يلتئم ..
ويغفو هو ورأسه علي الدفتر الصغير، يهدأ من عناء السؤال الكبير.
وتظل يقظة هي.. والبحر، ولون الليل، وصوت الصمت.
فقط تتأمل وجهه وسرَّه الكبير.
*******
من ( كتاب يبحث عن عنوان)
No comments:
Post a Comment