فضفضة فكرية….
عندما تتكلم أفكارنا بعفوية وبساطة, وبدون حسابات أو مخاوف, أو ترتيب منطقي.. نقول عادة أننا نفكر بصوت مسموع. أي أن الأفكار تنساب بما يشبه عملية ” التداعي الحر ” علي كنبة الاسترخاء لدي المحلل النفسي.
ولا تنطلق أفكارنا بصوت, تحاور نفسها, تحاول استجلاء تشكيلاتها حول معني معين إلا في حالة من الاسترخاء والتأمل. في هذه الحالة نتمكن من الولوج إلي مستويات أعمق.. إلي ما يكون معتملا في منطقة الفكر من فوضي وتداخلات أو غموض.
فيكون التفكير بصوت مثل الفضفضة, ولكن فضفضة فكرية. يحاول استجلاء ما بين طبقات الضباب, أو الوصول إلي صفاء ما خلف الغيوم.
ولا نفعل ذلك إلا مع أنفسنا, إذا كنا ممن يطمئن إلي نفسه ولا يخافها..أو إذا كنا ممن يصادق نفسه ويثق فيها. أما في حضرة شخص آخر أو آخرين , نحن لا نفكر أمامهم بصوت مسموع إلا إذا شعرنا بالاسترخاء معهم والاطمئنان. و في كثير من الأحيان عندما نريد الإشارة إلي صديق مؤتمن أو حميم, نقول : أنه ممن نستطيع أن نفكر معه أو أمامه بصوت مسموع.
والكاتب يفضفض علي الورق, أو علي شاشة ” اللاب توب.” فهو لا يرتاح إلا عندما يجمع خلاصة صوت فكره ويضعه علي الورق. هذا إن نضجت الفكرة قبل الشروع في عملية الكتابة. وأحيانا كثيرة لا تكتمل الفكرة إلا مع الفضفضة علي الورق. يستمع إلي صوت أفكاره وفد تحول إلي حروف و كلمات وجمل وتشكيلات.
ولكن يبقي دائما سؤال : هل نجحت الكلمات في حمل الفكرة من رأس صاحبها, وتركت لها مقعد الصدارة علي الورق ؟ أم أن فعل الكتابة يستدعي بالضرورة التنافس بين الكلمة والفكرة؟ أم أنه فعل الرقابة, أيا كان مصدرها ؟
فعل الكتابة هنا هو عملية تحويل الصوت, بكل أبعاده وانفعالاته الداخلية وتفاعلاته مع الخارج, إلي نص مقروء.. حيث الأذن تُستبدل بالعين, من أذن صديقة إلي عين متلقي يكون في الواقع غريبا. وليست كل عين قادرة علي استجلاء ما قد تعجز ( أو تحجم ) الكلمات عن ترجمته من هذه الأبعاد والانفعالات, وهي ليست مطالبة بذلك. و إن تمكنت, فهي إما أن تكون مدربة ( تدريبا نقديا أو تدريبا رقابيا), أو أنها مازالت علي فطرتها من حس مرهف وشفافية.
الأذن تُستبدل بالعين, ولكن الفكر يظل حاضرا.. وإن كان يُستبدل بفكر المتلقي , يؤول ويحكم ويحدد خلاصة ما خرج به من النص. وحتى صاحب الفكرة, بعد أن يتحرر بفعل الفضفضة ومن ثم الكتابة يتحول بذاته إلي متلقي لذاته, متأملا وجه الشبه أو الاختلاف مع نصه. وربما مكتشفا ملمحا أو بعدا جديدا في منظومة أفكاره كان مغيبا عن إدراكه من قبل.
وهكذا تستمر عملية التفكير,
بصوت أم بصمت..
تستمر تدوينا بحرف, أم بلون, أم بلحن..
تستمر تفاعلا وانفعالا..
عملية تستنفر التفاعلات الداخلية من مشاعر وأحاسيس وتأملات.. تستجلي الانعكاسات ما بين الداخل والخارج..
تنحت من المخزون المعرفي ما يفسر لها مستجدات الحياة التي قد لا تشبه صاحبها, أو لا يشبهها, ويجد نفسه بينها غريبا.
ولا تكتمل دورة عملية التفكير إلا عندما يطرح صاحبها نصه خارج ذاته. لتبدأ عملية التفكير دورة جديدة, قد تبدؤها بجلسة ” عصف ذهني” أو أنها تدخل في الموضوع مباشرة. أو قد تُوأد في مهدها ازدراءً (وقرفا) من المحاولات المستمرة للنيل من الفكر والتفكير الحر والتعبير التلقائي.
ولكن يشدني الآن سؤال محير : أحيانا ما يعتمل في النفس شيء ما أو معني أو شعور طاغ , لا يحتمل انتظار اكتماله في فكرة, أو انتظار الكلمة التي يمكن أن تترجمها, فيخرج معبرا عن ذاته بمفردات تبدو في حينها غريبة. حتي كاتبها يقف مشدوها أمام غموض مصدرها..مشدوها بطفولة لم تتمكن منها بعد معاني الخوف.
أمِنْ هذا المصدر الغامض تتوالد اللغة بمفردات جديدة تبدو في حينها مبهمة المعاني ؟ أم أنها مجرد ولادة معاني وقراءة جديدة لمفردات اللغة الأصل , تتخطي كل حواجز الخوف والتحسب؟
و كيف نفسر هذه الحالة؟
هل هي الحالة التي تخبو فيها سطوة العقل, كموطن الفكر, أمام سطوة الروح ؟!
***
January 11, 2011
جدة
نشرت في منبر الحوار والإبداع
No comments:
Post a Comment