Monday, May 28, 2012

المشهد المصري : الجمهورية الأولي .. أم !؟

المشهد المصري : "ماأسوء من ستي إلا سيدي ! "
تحملُ الساعات القليلة القادمة مفاجآت ، بعضها مُتوقع ومُراهنٌ عليه، وآخر قد يكون بالفعل غير ذلك. المقرر أن تُعلن النتائج النهائية للإنتخابات الرئاسية المصرية غدا، الثلاثاء 29 مايو. فهل ستٌعلن، أم ستؤجل لحين البت في الطعون المقدمة من بعض مرشحي الرئاسة؟
وهل سيبقي السباق في الإعادة بين الدكتور محمد مرسي و الفريق أحمد شفيق، كما أعلنت اجتهادات الإعلام المصري؟ أم أن المفاجأة المتوقعة/ المرجُوة ستدفع ب السيد حمدين صباحي للمنافسة في جولة الإعادة ؟
في الواقع منذ إقفال صناديق الإنتخاب، والكل يعيش حالة ترقب .. ثم كانت الصدمة باختيارات الشعب المصري، إما العودة لنظام مبارك مع بعض الرتوش، أو الوقوع تحت حكم " الإخوان والمرشد" ! وخاصة أن من كان يمثل الإسلام السياسي المعتدل في شخص الدكتور أبو المنعم أبو الفتوح قد اُستبعد من السباق!
خياران عزَّزا الشعور بأن مصر باتت رهينة بين المطرقة والسندان، ولا مخرج ، أو ثقب من نور ، أو بصيص أمل إلا بمعجزة !
كما أفرزت النتائج (غير الرسمية حتي الآن) الغضب الكامن في النفوس علي الشعب ، وعلي الثورة والثوار، وعلي مرشحي الرئاسة المحسوبين علي التيار المدني / الثوري بتحميلهم مسئولية تفتيت الأصوات بين عدد منهم.
ومن المُسْتتِر ارتفع استعدادٌ انتهازيٌ دفين لدي البعض بإثارة النعرة التقسيمية بين الأقباط والمسلمين ، ممثلا في إنقسام الأصوات بين الدولة المدنية ممثلة في شفيق، والدولة الدينية ممثلة في مرشح الإخوان .
*******
وأعود إلي ما دونته من انطباعات خلال الأيام القليلة السابقة حول المشهد الانتخابي المصري.
** اليوم الأربعاء ، 23 مايو،
أفرحُ مع كل مصري ذاهب لصندوق الانتخاب، ينتخب بضمير وهو يفكر في الشهداء اللذين أتاحوا له فرصة الاحساس بالحرية وهو رايح ينتخب ..صحيح أي رئيس ستنتخبه مصر هو رئيس انتقالي، ولكن اختيارك للشخص سيفرق كثيرا في اعتبار الثورة والثوار ..
** اليوم الجمعة، 25 مايو،
فتحت عيني اليوم أفكر في الانتخابات. الكل مترقب من سيفوز! وفي لحظة تأمل شعرت أن المكسب الحقيقي هو ما ستكشفه هذه الانتخابات عن توجهات الشعب المصري، وعما يحدث في كواليس السياسة .. المكسب هوما سيتعلمه الشعب من دروسٍ نتيجة اختياراته، قد يكون بعضها قاسيا. أما من سيفوز بمقعد الرئاسة فهو في إحساسي الخاسر الأكبر!
وأتساءل : هل ستعْبُر مصر حقا إلي جمهورية جديدة؟ و هل سيكون عبورها إلي الجمهورية الثانية ( أو الثالثة كما يصرمحمد حسنين هيكل وحمدين صباحي) بثورة 25 يناير ، أم أنها ستعبر علي دماء الشهداء !؟
وهل يعني هذا أن صفحة من التاريخ ستُطوي علي الحلم ؟ أم أنها صفحة تُفتح علي حلمٍ أكثر تبصرا.. وإن جاءت ملطخة بدماء الشهداء ؟
** وتُعلنُ النتائج الأولية. شفيق ومرسي ! إما دولة مستنسخة من النظام القديم، وإما دولة المرشد!
خبطة كبيرة علي رأس من راهنوا علي عمر موسي وعبد المنعم أبو الفتوح!
وصفعة علي وجه القوي السياسية " الثورية / اليسارية/ الاشتراكية/ العمالية ..."
وطعنة في قلب ثورة 25 يناير، بعد أن سُددت لها طعنات متتالية في الظهر، طوال خمس عشرة شهرا منذ اندلاعها.
ويُستهدف " الشعب" كأول من تُصب عليه اللعنات !!
وعلي ضوء النتائج الأولية أتساءل : قامت في مصر ثورة ولكن هل أرادت فعلا أن تخرج من عباءة نظام مبارك ؟
الرغبة قد تكون بكل تأكيد موجودة ولابد أن تُدعم بالإرادة.. ولكن .. هل يمكن أن تُترجم إلي فعل علي أرض الواقع وهي مكبلة بميراث من القهر والظلم ؟
فنتيجة الانتخابات هي تعبير عن قهر سنوات طويلة غُيبت فيها قيم كثيرة علي رأسها الكرامة، والعدالة ، والمواطنة. هي تعبير عن الخوف الذي مازال يعشش في النفوس والعقول والقلوب ، ونمت له جذور طالت الروح.. شباب الثورة نزع فتيل الخوف .. ولكن ...
وأُدوِّن: .الشعب خارج من عقود من الظلم والقهر وتكميم الأفواه وتغييب الوعي، لا تلوموه.. بانت مناطق العَوار، عالجوها، ابدؤا بالعمل لا بالعويل. و بكل ما تحمله الانتخابات الرئاسية في مصر من عَوارْ... زمن ال 99.99 في المائة قد انتهي انشاء الله بلا رجعة ..وهذا للثورة إنجاز.
** النتائج تبدو صادمة للوهلة الأولي . ولكنها في نفس الوقت لا بد أن تكون غير مفاجئة إذا أدركنا أن من يعيش تحت ظلمٍ واستبدادٍ لفترة طويلة، وسكتَ عليه، وبرَّره ،وتماهي معه، وتشرَّبه، يحتاج إلي وقت كي يُعالج منه ..ويبقي فيه حنين خفي إلي شخصية القاهر.. هو فقط جدير بالاحترام وبالتنازل له عن حرياتنا .. حالات كثيرة مثبتة بدراسات علم النفس وعلم النفس السياسي.. ويبدو أن هذا ما لم يُدرك جيدا. ولم يُحسب حساب أن "الدكتاتورية" مازالت قابعة في جوهر الشخصية المصرية والعربية عموما..
هذا بجانب الأخطاء العديدة والمناورات السياسية الممنهجة للوصول إلي خيارين كلاهما علقم مرّ..
** وأبحث عن منافذ للضوء تنقذني من السقوط في بئر التذمر واليأس.
فأنا من جيل الستينات، وهو أكثر جيل عاش الأحلام والانكسارات معا .. من السهل أن يُطوي الإنسان دفاتره ويستغرق أو يهرب أو يتحول .. أو يدمن .. حتي الهروب يمكن أن يتحول إلي إدمان ..
مشكلتنا أننا نركز علي النتائج الفورية : إما مكسب أو خسارة .. أدرك الآن أن المكسب والخسارة في الحياة أمور نسبية.. لأن المكسب الحقيقي هو في الدروس المستفادة من التجربة أيا كانت . واعتقد أن نتائج الانتخابات المصرية هامة بأهمية ما كشفته من زوايا وحقائق من واقع حياة الشعب المصري، ومكونات شخصية المصري لم تُأخذ في الحسبان. ورب ضارة نافعة .
ولأن ما حدث في مصر هو بمثابة الزلزال الذي قلب الأرض رأسا علي عقب ، أُمنِّي نفسي بأن الأرض ستعود أكثر خصوبة واخضرارا، ليس لعبقرية أحد وإنما لأنه قد آن الأوان كي ينهض العرب والإسلام ، ولن يتم إلا بنهضة مصر أم الدنيا .
نعم يامصر ، اذا كان في شعبك ثلث خايف، وثلث آخر بايع .. وتبقي لك ثلث واعي وصاحي .. لا تحزني يا مصر هو ده اللي هينوَّر لك الطريق..
تخيلي يا مصر حجم الإنجاز .. أن يُصبح المواطنُ هو من يُخطَب وده وصوته من 13 مرشح رئاسي !! هذا حلم كان صعب المنال طوال عقود من الزمان .. يعرف قيمته، ويفرح به، ويتفاءل له من كان من جيل الستينات .. أو حتي من وُلدوا في عهد مبارك من بدايته، ولم يعرفوا غير بابا مبارك وماما سوزان ..
وتخيلي أن شعبك أصبح يعرف كيف يُعاقِبْ، بعد أن كان لعقودٍ طويلةٍ هو المُعاقَبْ دوما! لقد جاءت نتيجة تصويته عقابا للنُخب ولكل من استهان بحقيقة المشهد علي الواقع .. بمعني أنها "نتيجة عقابية.." في رأي أغلب المحللين.
** نعم يامصر .. الثورة كالحب حالة معقدة.. ومطلب صعب، كي يتحقق .. يحتاج إلي الكثير من العمل ،والصبر، والإرادة، والتضحية، وإخلاص النية ....
*******
جدة 28 مايو 2012
٨ رجب ١٤٣٣

No comments: