االاعتراف أولا .. ثم الإصلاح!
الاعتراف أننا عشنا طويلا وهم الاعتقاد بأن أموالنا طائلة لا تنضب.
وبه استشرى مرض التبذير وسفه الإسراف .
***
ومازلت أتساءل:
هل يمكن للفئات التي تعتبر معقلا للإسراف والتبذير أن تعترف بأن
نمط سلوكها الاستهلاكي والحياتي ينم عن شيء من الإسراف؟
وبما لهذه الفئات من الثقافة والعلم والمكانة الاجتماعية، ألا تدرك
جيدا أن الإسراف مرض وله ماللمرض من أضرار إن لم يُعترف بها وتشخص وتعالج!
ألا يدركون أنه ضرب من الرياء, ويدل على تخلف المجتمع؟
ألا تعرف الفئات المسرفة
بأن الله، عز جلاله، وإن كان قد حثنا على التمتع بما اسبغ علينا من نعم وطيبات،
إلا أنه يكره الإسراف والمسرفين!
لقد طرحت ذات يوم هذا السؤال على إنسانة تشتهر بجواهرها وعرفت عنها
الوعي والإدراك، فكانت إجابتها:
لقد أعطاني الله .. فلماذا ابخل على نفسي!
سألتها مرة أخرى:
ألا تعتبرين ذلك إسرافا؟ وألا تشدك مجوهراتك إلى التفكير في
المجاعات التي تهدد أبناء العالم الثالث؟
أجابت:
يصبح سلوكي إسرافاً إذا تعدى حدود داخلي وما أسبغه الله علي من
نعمة. أما مجاعات الناس فما شأني وشأنها. لها الله يتدبر أصحابها بالرأفة. أما أنا
فما شأني والشعور بتأنيب الضمير بسببها!
بالطبع، لا يعبر هذا الرأي عن آراء كل من أسبغ الله عليهم بالنعم
الطائلة فهناك العديد، العديد ممن يخاف الله في كل جائع محتاج، بعيدا كان أو قريبا
منهم. ولكن .. مازال نمط سلوكهم الاستهلاكي والاجتماعي يثير أكثر من سؤال!!
***
بين التمتع .. وسفه التبذير!
متى يتحول نمط الاستهلاك لأي شعب، من الحق المشروع سماويا والمقبول
خلقيا بالتمتع بالطيبات، إلى سلوك يمكن نعته بالسفه في الإسراف والتبذير؟!
هذا السؤال استحضر محاضرة كان قد ألقاها الدكتور غازي القصيبي,
رحمة الله عليه, في رحاب جامعة الملك عبدالعزيز من سنوات، لا أذكر العبارة الصحيحة
لعنوان المحاضرة، ولكن مازلت أتذكر أنها دارت حول مجموعة الأوهام التي توجه سلوكياتنا
في عملية التنمية, وعلى قائمة الأوهام التي حصرها لنا الدكتور غازي القصيبي كان وهم (الاعتقاد بأن
أموالنا طائلة لا تنضب). ومازلت أذكر بأنه قد حذرنا بقوله عندئذ:
لقد آن الأوان ونحن على أعقاب خطة خمسية ثالثة أن نحرر عقولنا
وأرواحنا من التأثير الخبيث المدمر لهذه الأوهام.
ولم تمر محاضرة الدكتور القصيبي دون تحريك تساؤلات جادة في عقول من
استمعوا إليها. منها سؤال طرحته، ونشر حينها في جريدة (الشرق الأوسط) بعنوان:
ثم ماذا يا معالي
الوزير؟
كتبت حينها:
إننا جميعا نعيش تبعات هذا الوهم الخطير، ألا وهو الاعتقاد بأن أموالنا
لن تنضب. كلنا يعاني منه، وكلنا يشترك في الإبقاء عليه. ولنأخذ زاوية بسيطة وصغيرة
نطل منها على المشكلة علنا نصل إلى وسيلة للعلاج، وهي زاوية سلوكنا على مستوياته
الحياتية: الميزانية التي تنفق على وجباتنا الغذائية ومادبنا، ملابسنا وسياراتنا
ووسائل ترفيهنا وأفراحنا.. كلها أدلة قاطعة على إيماننا بالوهم!؟
فكيف يكون العلاج؟
هل نبدأ بالفرد ومفاهيمه؟
أم نبدأ بالأنظمة الاجتماعية / السياسية التي
تشكل المحتوى البيئي لسلوك الأفراد ومفاهيمهم؟
و ما هي الخطوات العملية الواقعية التي يمكن أن نحقق بها التحرر من الوهم والكف عن الإسراف والتبذير على
مستوى الفرد، وعلى مستوى الأنظمة والمؤسسات التي تشكل هذا الحاضن والموجه لسلوك
الأفراد ومفاهيمهم؟
***
واليوم في 2016 نعيش
تبعات الوهم, يستيقظ منه المواطن بتساؤل: وهل كان الذنب ذنبي وحدي؟
********