Sunday, December 26, 2010

الرجل..هل هو الشطر المفتقد في المعادلة؟

لأن وضع المرأة في مجتمعنا كان وما زال موقع استهداف للنقد الداخلي والخارجي..ولأن النقد الخارجي يستهدف الإسلام أساسا من خلال وضع المرأة الاجتماعي المكبل بالقيود المبررة (جهلا) بأنها من دواعي الشريعة الإسلامية..من أجل هذا هدفت المحاولات الإصلاحية الخاصة بالمرأة والأسرة إلي الترميم السريع استجابة لبعض الضغوط الداخلية و الخارجية.

الترميم قد بسد ثقوبا مُلحة, ولكنه سيفتح ثقوبا أوسع في علاقة "دور المرأة" ب "دور الرجل", و مما لذلك من تأثير خطير علي البناء الاجتماعي والوظيفي للأسرة. وذلك للطبيعة التبادلية لمفهوم "الدور" كمصطلح علمي. بمعني أن أي "إصلاح" في دور المرأة لن يؤتي ثماره إلا ب "إصلاح" مقابل في وعي الرجل و فهمه لما يحدث من تغيير في دوره هو أيضا, علي المستوي الاجتماعي والاقتصادي والنفسي.

التأثير الأكثر خطورة هو ما سيطال الجانب النفسي سلبا في علاقة المرأة بالرجل كزوجين. وأكيد أن هذا حادث بالفعل ولكنه الجانب المسكوت عنه. إن الكثير من المشاكل الزوجية/الأخلاقية التي بدأت تظهر علي السطح هي في جذورها مرتبطة بخلل نفسي أكثر منه عضوي في العلاقة الزوجية. قد لا نتخيل أن الاستقلالية الاقتصادية للمرأة (بمفهومها المعاصر) له علاقة مباشرة بالاضطرابات النفسية لدي الرجل العربي والمرأة أيضا, مما يؤدي في كثير من الحالات إلي خلل في العلاقة الزوجية. ولكن مراجعات العيادات الطبية النفسية في هذا الشأن خير شاهد .

و لا يعني هذا أن نوقف برامج التمكين الاقتصادي للمرأة, وخاصة في حالة المرأة المعيلة. ولكن نحتاج إلي إعادة النظر في برامج تمكين المرأة عامة بحيث تكون أكثر اتساعا لتشمل الرجل, وتكون أكثر بعدا في النظر. مما يستدعي إعادة تأهيل ل "وعي" الرجل وسيكولوجيته للتقبل والتفاعل الايجابي مع واقع المرأة السعودية المعاصرة بكل شرائحها. كما يحتاج الأمر إلي إعادة تقييم لمفهوم "التمكين" بأبعاده الثقافية/ المعيارية.

و إن كانت المرأة في مجتمعاتنا العربية"مقهورة ", ومظلومة, ومسلوبة الحقوق, فإن الرجل هو أيضا بعاني نفس الواقع. حتى وإن كان هو المتهم الأول بقهر وظلم المرأة, هما معا كوحدة يشكلان طرفا في جدلية معقدة بين القاهر والمقهور. ولذا فإن القاهر الحقيقي ليس هو الرجل في المطلق. ولكنها منظومة ثقافية اشتركا معا في نسج خيوطها عبر الزمن, وحرصا علي تكريسها من جيل إلي جيل. و المرأة هنا كأم لعبت الدور الأكبر, ومازالت, في تعزيز ثقافة نسويه تكرس سيادة الذكر علي الأنثى. ولا تعي المرأة/الأم أنها كرست بذلك رؤية ذاتية دونية لكينونتها كامرأة. والتي تحاول جاهدة الآن التحرر منها.

إذا كنا جادين فعلا بالنهوض بواقع المرأة والأسرة في مجتمعنا, فليكن ذلك ضمن رؤية مستقبلية بنائية تشمل الرجل أيضا كطرف أساسي في المعادلة لا يمكن تجاهله أو إقصائه.

هذا يتطلب وضع خطة عمل للإصلاح والبناء, تبدأ العمل من:

بيئة البيت, و بيئة المدرسة,و بيئة العمل.

علي أن يكون ذلك في خطوط متوازية. أي أن نوجد الآليات الضرورية في كل من هذه البيئات للنهوض بمستوي المرأة والرجل معا: بدءا بمرحلة الطفولة, إلي مرحلة الشباب, ومن ثم مرحلة دخول معترك الحياة العامة. علي أن نعتمد في ذلك أسلوبا علميا مدروسا, بعيدا عن الاجتهادات الشخصية ذات النظرة المحدودة لدور المرأة, والمنطلقة من الخوف من المرأة ! أو إدعاء الخوف عليها, ومن ثم "إخفائها عن عيون الناظرين أو الطامعين "! أو النظرة الاجتماعية المستعلية النافخة في وعي الرجل بضرورة تقمص دور الرجل السيد أو المسيطر والمتحكم. إن مقولة أن المرأة بمثابة "الجوهرة" كمبرر للحفاظ عليها (بأساليب قمعية) لم يعد ينطلي علي المرأة الناضجة, ولا حتى الرجل العاقل عاد يصدقه. ولا حتى مقولة "خصوصية وضع المرأة السعودية !", التي أصبحت تحسب ضدنا وندرك بيقين أننا نستخدمها كمبرر للتخلف المشين.

وهنا مربط الفرس. فالمرأة لا توجد في كون منفصل أو مستقل بذاته. فالعالم الذي تعيش فيه هو عالم من الرجال بالدرجة الأولي..عالم فيه الأب, و الأخ, و الابن, و الزوج, و زميل الدراسة, و زميل العمل, والعامل, والبائع. ولا ننسي بالطبع السائق( ذلك الرفيق الدائم المستدام المفروض علي المرأة في مجتمعنا- هذا إن توفر لها)

هذا العالم "من الرجال" يحتاج إلي إعادة تأهيل نفسي وتثقيف فكري و إسلامي, وخاصة لمن يحملون راية الدين ويتكلمون باسمه. بدونه الخلل لا محالة واقع في العملية الإصلاحية.

و إلا ما فائدة أن تتعلم المرأة وتنال أرقي المراتب العلمية بينما تلغي كرامتها و تهان أنوثتها في أسرتها, علي يد أب يدعي الإسلام ولا يتأسي برسول الإسلام( صلوات الله عليه) في تعامله الراقي مع النساء. أو قد يكون المسيء هو أخ أرعن, أو زوج جاهل؟! وحالة سمر وسميرة وغيرهما كثيرات من "مثقفات المجتمع" المقهورات, ممن بُخفي أمرهن عن الرأي العام.

وما فائدة أن تتاح أمام المرأة مجالات أوسع للعمل, و زوجها عاطل عن العمل, ناقم عليها لأن الأدوار التقليدية تبدلت وأصبحت هي العائل وهو المُعال.

وزميل العمل الذي لم بتأهل نفسيا ليفرق بين المرأة المهنية كزميلة في العمل وبين ما ترسخ في ذهنه من صور للأنثى المستباحة! بدون شك أن التواجد المحترم للمرأة في محيط الرجل سوف يهذب ولو بشكل غير مباشر من سلوكياته وربما أفكاره.

بالطبع لا نستطيع أن نوقف العملية الإصلاحية الخاصة بالمرأة حتى يرتقي وعي الرجل, ليكون مستعدا وقادرا نفسيا علي التعامل مع التحولات الجديدة في واقع المرأة. ولا يمكن أن نسير بها قدما تاركين النصف الآخر, وهو هنا الرجل, في مفترق الطريق, حائرا.. تائها..جاهلا..قاهرا.. مقهورا, وفي النهاية مناهضا و مدمرا لكل بذرة إصلاح إيجابية في واقع المرأة والأسرة.

لذلك لابد أن تسير العملية الإصلاحية علي كل المستويات كي لا يحدث خلل في رمانة الميزان. ما يجب علينا فعله هو عملية تنظيف و إعادة بناء. تنظيف الوعي الجمعي من أوجه العطب فيه, وإعادة بناء وعي نظيف يرسخ المعني القرآني لمفهوم "السكن" في العلاقة بين المرأة والرجل.

نحتاج إلي وعي مجتمعي نظيف ومستنير, يري القوة الحقيقية في رجل و امرأة "متمكنان" يصنعان معا كفريق مجتمعا " متمكنا" من تحديد مساراته علي خارطة المستقبل.

ولأن عملية التأهيل وبناء الوعي طويلة المدى نسبيا (عشرون عاما), تحتاج المرأة في المدى العاجل إلي حماية تشريعية, و مساندة مجتمعية, و إرادة سياسية لدعم مسيرتها. ولكنها ,قبل أي شيء, تحتاج إلي وعي ذاتي, وإدراك, وفهم, وتقدير, واحترام لكينونتها وقيمتها كإنسان.