لقاء صنعاء.. حرر في 1987
***
التدوين..لماذا؟
الكلمة المكتوبة ذاكرة وتاريخ
***
شيء ما شدني إلي اليمن.
وكأنه حب قديم عشته في حياة أخرى غير حياتي الحاضرة.
يحدث كثيرا أن نرتبط بأناس لا نعرفهم, أو أماكن لم نزرها من قبل.
هكذا كان ارتباطي به. لمحت ذات يوم لوحة عن شبام, تعرض في متجر صغير مخصص للفن, في مدينة نيروبي, حيث كنت أقيم آنذاك. تسمرت قدماي أمامها. ضياء النهار كأنها شلالات ناعمة تتخلل أبنية تتعانق في حنان دافيء غريب. كل بناية على حدة جسدت صورة الجمال في أنفته وشموخه. تزينه لمحة من حزن يزيده جمالا وشموخا.
تكررت زياراتي للمتجر كل أسبوع, أطالع اللوحة, أتأملها وأمضي, وكأن بها سرا دفينا يربطني بهذه المدينة, الشامخة , في عنان السماء, الشاخصة صوب الله.
ارتاب راعي المتجر من زياراتي المتكررة, فابتدرني: لماذا لا تشتريها؟ سأعطيك فيها سعرا مميزا!
شكرته.. لا يا سيدي مثل هذا الجمال لا يشترى, ولا يُقتنى.
***
ودار الزمن وذهبت إلى اليمن في مهمة صحافية, سعيت إليها.
وهناك عرفت معنى التوحد مع المكان. هاهي مجسدة أمامي كالحقيقة الأصل وليست صورة أو لوحة من المخيال. هكذا احتوتني صنعاء مقر إقامتي. لم يتسنى لي زيارة شبام, لكن صنعاء قامت بالواجب. وكشفت عما جئت باحثة عنه, ولم تبخل.
تجسدت أمامي روعة إنسان هذا المكان بكل مافيه من بساطة وبدائية الفطرة في تلاحم مع نفسه ومع كل مايحيط به. وجدتها مجسدة في فن صنعاء المعماري يروي تاريخ حياة.
تعودنا مشاهدة اللوحات النادرة في المتاحف. في رحاب صنعاء وجدني أقف وسط لوحة آية في الإبداع في أبسط صوره عفوية وبراءة .
الأهرامات وأبو الهول وبرج إيفل, كلها دلائل على قدرة الإنسان الجسدية, العلمية, المنطقية .. أيا كانت. أما أبنية صنعاء وتكوينها المعماري فهو دليل على شيء آخر. ربما هو خيط الوصل بيننا وبين ماضي نتفاخر بمولدنا من صلبه دون أن نعشه.
ربما هو النبل, والإباء, والشعر , والسيف و بلقيس وكل أنثى ...
رموز ومعان لتاريخ نقرأه ولم نقف على أبعاده بعد.
في صنعاء وعلى قمة جبل تمنيت أن يتلبسني شيطان الشعر.
خرجت إليها ذات فجر أتملى من جمالها وإذا بها تتحول هي إلى شاعرة, تترنم بحزن أحد أبنائها الشعراء, الدكتور عبد العزيز المقالح, في تراتيل من مقام الحب:
يتملكني حزن كل اليمانيين
يفضحني دمعهم,
جرحهم كلماتي
وصوت استغاثاتهم
يتسول في الطرقات الصدى
كلما قلت أن هواهم سيقتلني
ركضت نخلة الجوع في ليل منفاي
فانتفض العمر,
وارتعشت في الضلوع دفوف الحنين
***
وتتقمص صنعاء روح شاعرها, فتتساءل:
وجهي هنا يستحم بدمع الشجن
هل بعيد عن النخل وجه اليمن؟
هل بعيد أنا عن نخيل الهوى؟
هل بعيد أنا عن زمان المطر؟
فخذوا لغتي
وكتاب حياتي
اهبطوا بي على صفحة الماء
نار الدموع تعذبني
ودمي يتسول وجه الرياح
***
ويتحول وجه صنعاء إلى حزن ثائر, وكأن ابنها الشاعر يترنم بحزنها:
أورقت الكآبة
تجذرت فينا
تباركت أغصانه
تحددت في رئتي الأظافر الطرية
صرت كحد الماء
لا الصمت يشفيني ولا الكتابة
ولا حدائق الورد ولا السحابة.
****
الإسكندرية ..الإثنين، ذو الحجة 10، 1437
Monday, September 12, 2016
***
لماذا الآن ؟؟ وأتساءل في حيرة,
هل تستعيدنا كلمات كتبناها أم أننا نحن من يستعيدها ؟مابين حنين وأنين وجدتني اليوم وجها لوجه مع مكان زرته مرة واحدة, ويعود الآن أخاله يبكي على صدر أحرفي !
ترى إن كتبتك اليوم يا صنعاء هل سأجد قلبا يحتمل صرخة طفل يحترق؟
لابد من صنعاء وإن طال السفر
2 comments:
Post a Comment