***
التدوين لماذا؟
الكلمة المكتوبة ذاكرة وتاريخ.
***
حوار..
سألت رجلاً فاهما: هل لديكم قضية؟
قال: تقصدين الرجل العربي تحديداً؟
قلت: فلنبدأ به.
قال: السياسة والمرأة .
قلت: أفصح ..
قال: في السياسة هو مقهور، ومع المرأة قاهر!
قلت: المزيد من الإيضاح ..
قال: بإيجاز شديد، في عالم السياسة رجل "الشارع العربي" هو
مجرد رقم، هو أداة مهما تسيس وعياً أو فكراً فإنه لا يزال بعيداً عن اللعبة السياسية
حتى في أبسط مستوياتها.
تدخلت: ولكن هناك رجالا هم قطعاً أكثر من مجرد أرقام. هل نتوقع إذن
أن تختلف علاقاتهم بنسائهم عن واقع "الرجل الرقم"؟
أجاب: حتى هؤلاء، عندما يقتربون من لعبة السياسة, يجابهون بمعضلة أكثر
تحطيماً نفسياً ومعنوياً؛ بسبب الفجوة الكبيرة بين "ظاهر" هذا الاقتراب وبين
حقيقة ما يخوله له من سلطة صنع القرار.
تساءلت: أتقصد أن الاقتراب ليس إلا "كرسياً" بلا فعالية؟
أجاب: شيء من هذا القبيل.
تساءلت مرة أخرى: وما علاقة كل ذلك بالمرأة؟
أجاب: محنة الرجل معها في الواقع محنتان.
الأولى .. أنه لا يعرف المرأة. ولا يريد أن يعرف ولا يهمه أن يتعرف
عليها.
والمحنة الثانية .. أنها غالباً ما تشكل الطرف الحتمي في العلاقة الوحيدة
المتوفرة له خارج دائرة السياسة الذي يسقط عليه الرجل إحباطاته، ويستمد منه في آن واحد
التأكيد بأهميته وفعاليته وسطوته.
تساءلت: ولكن المحنة هنا هي محنة المرأة وليست محنة الرجل!
أجاب مبتسماً: نحن نتخيل عادة أن لا محنة "للقاهر"! تأملي
معي جيداً هذه المعادلة الصعبة:
الرجل يحتاج المرأة جسداً ومعنى .. يستمد منها التأكيد بأهميته، بفحولته.
لكنه في نفس الوقت يكتوي بنيران الاحباطات من حوله التي غالباً لا تجد متنفسا لها إلا
من خلال علاقته بالمرأة. إلى هنا تبدو المحنة وكأنها خاصة بالمرأة لأنها المتلقي.
ولكن هل هي متلقي سلبي؟!
لا .. بكل تأكيد ..
إن المرأة عندما " ُتستخدم" مرة بعد مرة كوعاء لتلقي عواهن
الغضب والاحباط والفشل والعجز لدى الرجل، فإن الوعاء وبما فيه لابد و أن ينضج يوما
ما على الرجل.
محنة الرجل هي أن هذا التأكيد الإيجابي الذي هو في اشد الاحتياج إليه
من امرأته لن يتحصل عليه. بل أنه قد يحرم منه عمداً.
إن قهر الرجل للمرأة يدفعها إلى الانتقام منه مهما كانت بساطة أسلحتها
.. علما بأن "القهر" كفعل "والانتقام" كرد فعل لا يحدثا أو يقعاً
على مستوى العقل الواعي في كثير من الحالات.
قلت: يبدو أن العلاقة في نظرك لا تخرج عن إطار القهر: القاهر
والمقهور. أُقهرُ أنا في مجال من مجالات حياتي فأسقط كل إحباطاتي على الأطراف الأخرى
في العلاقات التي ارتبط بها !!
وأكملت: ألا ترى أنها معادلة نفسية مبسطة، وأننا هنا إزاء درس من دروس
المبادئ في علم النفس؟!
قال: لاشك أن هذه الصورة إنما هي تبسط للقضية، ولاشك أن هناك إفراغاً
للقضية من الكثير من خيوطها المتشابكة التي تؤدي إلى تعقيدها.
ولكي نفهم مداخلات القضية لتحديد المسببات والنتائج يستدعي غوصاً إلى
الأعماق. والغوص يبدأ عادة من السطح.
قلت: تقول أن محنة الرجل الأولى مع المرأة هي أنه لا يعرفها، ولا يهمه
أن يتعرف عليها .. هذا الرأي يدهشني. أظن كامرأة,
أن الرجل "مشغول" فكرة بالمرأة!
قال: هذا الاعتقاد أو الظن هو أحد أسباب عدم فهم المرأة لسلوكيات الرجل
معها.
الرجل مشغول أولاً وأخيراً بنفسه، بعمله، بمستقبله، بأصدقائه، بعالمه
..
قاطعته: والمرأة .. ما هو موقعها منه إذن؟!
أجاب: في مرحلة ما من مراحل عمره هي بالنسبة له عالم سحري، عالم بعيد،
غريب. ينشأ هو بفكرة أن أحد مهامه الرجولية هو اكتشاف هذا العالم. والاكتشاف لديه يعني
ولوجه لهذا العالم. بعد ذلك تتوقف المرأة لديه عند هذا الحد من الدهشة أو الاكتشاف.
يمضي هو إلى اهتماماته الأخرى معتقداً أن مهمته في هذا المجال قد انتهت .. معتمداً
في تعامله الفكري والنفسي مع المرأة ـ الزوجة ـ على إطار معرفي محدد. ألا وهو الإطار
الذي يضم صور النسوة اللائي نشأ بينهن أو على ايديهن. وفي الغالب تكون صورة الأم هي
الأكثر أهمية.
وأكمل ..
إن الرجل لا يعرف عن المرأة ككيان نفسي فكري، كيان معقد من الاحتياجات،
والتوقعات، والمخاوف، والآمال، والأحلام .. إلا أقل القليل. والاخطر من ذلك أنه لا
يشعر باحتياج ملح بالتعرف عليها أو تفهمها.
وهذه محنة !
تساءلت: لماذا؟
أجاب: لأن الجهل اغتراب.
إن الرجل يتزوج المرأة، تنجب له، قد تستمر الحياة بينهما، قد لا تستمر
.. قد يتزوج بأخرى أو أخريات. أنه يقضي فترة طويلة من عمره في ارتباطات مع المرأة.
ولكنه يعايشها مغترباً عنها نفسياً وفكرياً .. مغترباً عن عالمها الداخلي.
ولهذا فإنه يعيش معها ويموت عنها محروماً من تحقيق ذلك المعنى الرائع
والوصف القرآني لعلاقة الرجل بالمرأة .. ألا وهو السكن ..[القرآن الكريم _ الروم 21]
السكن الآمن .. المحب .. الحنون .. المعطاء ..
***
واتساءل: ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
***
طوبي لهم من توصلوا فارتفعوا .. ارتفعوا إلى سماوات الحب الحقيقة!
***
الأحد، ذو الحجة 16، 1437
Sunday, September 18, 2016
*******
( من كتاب ينتظر )
3 comments:
استعنت بكتابه سيكولوجية التخلف في محاضراتي منذ سنوات.لم أتابع الجديد له. دارس جيد لظاهرة القهر وتوابعها. الخلل في أساليب التواصل محور أغلب المشاكل الاجتماعية
Post a Comment