Saturday, November 16, 2019

هل للأماكن ذاكرة ..؟؟

With a Smile..you look beautiful
***


تساءلت مضيفتي هل تحبين الشاي بالنعناع؟ 
سألتها: هل جربت الشاي بالريحان؟ 
قالت : لدي شجيرة ريحان في حديقتي لا أستعملها في شيء..فلنجرب..

وسرعان ما أحضرت براد الشاي تفوح منه رائحة الريحان. 
و بينما تتذوق الأخريات نكهة الريحان في الشاي و يثنين عليه..يرتحل الريحان بذاكرتي إلى الوراء البعيد..إلى أماكن عرفتُ فيها بشرا غير بشر المدن, حفروا لهم في الذاكرة مواقع لا تُمحي. وتعرفت فيها على ملامح للطبيعة أسرت وجداني بجمالها وشموخها, واحتبست جزءا منه في حنايا صخورها, وخبأته في غلالات غيماتها. 

ولكن كيف ترتحل بي الذاكرة جنوبا وأنا هنا في صحبة "شمالية"؟ 
كيف تستدعي الذاكرة صورة الجبل.. والصخر.. وذلك الفضاء الذي تكاد في سكونه تسمع تسابيح كائنات لا تُري.. تسكن القمم؟ 
كيف.. وهذا البحر الشمالي الفيروزي الصاخب..أما هو الأولى بتراحيب المطر؟

أهو الريحان...؟ ما الذي يستدعي معه رائحة الشيح.. والكادي.. والزعتر البري؟


أم أنه ذلك الجزء من النفس الذي ارتبط بالمكان وناسه, وتوارى في طيات الذاكرة..؟ 
تُستحضر للتو  النفس المنسية /المنفية , وتفسح الذاكرة عن كل ما شكّلها وأثراها من صور بسيطة من التآلف الذي لا يبحث عن تفسير. ..

جلسات نقش الحناء.. و إيقاعات الأقدام على الأرض , تارة بخفة وتارة بقوة, تنتظم في دائرة من السواعد المتشابكة.. لم يكن مجرد رقص جماعي, بل استدعاء لذاكرة ما, لسر ما..و تأكيدا ربما لملحمة عشق ضاربة في رحم الأرض و في أعماق الزمن.

و أمسيات..شهدتها معنا النجوم السهارى.. طالت فيها الحوارات حول كل شيء ولا شيء.. يعقبها لحظات سكينة و سكون,  لا يقطعه إلا صوت براد يغلي فوق حطب, تفوح منه رائحة القشر..و  السنوت.*

تري هل للأماكن ذاكرة؟ هل تذكر محب, عاشق مر بها.. كما هي في الوجدان محفورة؟ 
                                            *******
شاي بالريحان..
لحظات شرود.. منها يعيدني صوت احتجاج من الصحبة ..
صحبة صداقة وزمالة في المدرسة, يعود وثاقها إلى أكثر من نصف قرن.. 
معها تعود اللغة، وتعود المشاعر .. والذكريات وكل ما شكلها تعود إلى ذلك الزمن 
وبعودته تسترد اللغة حلاوتها.. وتعود إلي الأحاسيس طراوتها..  
يصبح "ذلك الزمن" في ثوان هو الحاضر. ترتد فيه الطبيعة إلى ما كانت عليه من براءة وتطلع.. 
وتلك الابتسامات الطفولية..  فجأة تضيء  ملامح الوجه وتمحو آثار الزمن.

وتتفتح النوافذ المغلقة.. وتنساب الحكايات والذكريات.. 
نتذكر.. ونذكِّر من فقدت ذاكرتها ملمحا من قصة  أو موقفا كان نقطة تحول في حياتها. 

وتتعالي الضحكات حينا من سذاجة أحلامنا, و رومانسية خيالنا, ومحاولاتنا المراهقة آنذاك في لفت انتباه هنا أو هناك.. 
ولا تخفي الضحكات دموعا تحاول جاهدة الاحتباس.. على قصص الحب الأول الذي كان.. والذي ظل سرا حبيس الأمنيات..

ومع فناجين الشاي بالريحان...يدور شريط الذكريات...و يدور !

ويبقى عالقا في الجو شبح سؤال حيَّر وأرق كل امرأة : هل أحبني حقا ؟!
                                    
الساحل_ 8/1/2010
الإسكندرية 2015/11/16
***
من: نبت القلب.. نصوص عصية على السجن بين دفتي كتا


No comments: