Saturday, September 20, 2014

الإمام محمد عبده: قراءة تأملية في فكره، وشخصيته، ومشروعه الإصلاحي

"الإمام محمد عبده: قراءة تأملية في فكره، وشخصيته، ومشروعه الإصلاحي"
ورقة عمل  في "مئوية الإمام محمد عبده", بمكتبة الإسكندرية 2005م
تقديم  د. فاتنة أمين شاكر
*******
استخلصتُ من ورقة العمل  ستة  وقفات مع تكوينه الوجداني ومشروعه الإصلاحي والخاتمة، نشرتها تباعا في منبر الحوار والإبداع. 
*******
 الوقفة الأولى
الإمام محمد عبده: في البدء كان السؤال : أين الخلل؟ 

تساؤلات طرحت قبل مائة عام , ومازالت تطرح الآن, ولا أدري إن كانت ستظل  هي نفس تساؤلاتنا بعد مائة عام أخري. !
*******
مدخل إلي المدخل:
كلما نويت التأمل في ماهية الإنسان في القرآن الكريم, تتراءى لي صورة سيدنا إبراهيم عليه السلام, وهو يوغل النظر والفكر في الكون المشهود, يتأمل بوجدانه وفكره  الكواكب والقمر والشمس بحثا عن سر الوجود, عن الله تعالي. (الأنعام 79).  
أستدل من هذه الآية علي الاحتياج الفطري لدي الإنسان للمعرفة اليقينية. أستدل منها أيضا علي أن الله عز وجل خلق الإنسان ليكون باحثا, متأملا في ملكوت السموات والأرض والنفس البشرية, مفكرا وعاملا عقله حتى يصل إلي اليقين. 

وعندما تنقي الفطرة وتتهيأ كي  يصبح "العقل إيمانيا" بالمفهوم "المحاسبي",  فانه لن يقبل بالتسليم إلا لقوة واحدة فاعلة وليست مفعولة. هذا الاحتياج الفطري لدي الإنسان لا يتحقق إلا بعملية بحث و تدبر وتأمل تتضافر فيها جهود السمع والبصر والعقل والوجدان (النحل 78) .

و قد تتوازن هذه الجوارح في اجتهادها, وقد يتفوق بعضها علي الآخر حسب معطيات الإنسان واستعداداته. (الحج 46). وكلها وسائل وضعها الله تعالي في الإنسان وحثه, بل واستثار فيه, وأوجب عليه استخدامها من أجل الوصول إلي المعرفة. (الروم 8). وفي الأثر, معرفة الإنسان لنفسه واجبة عليه كطريق لمعرفة الله. بل وعزز الله تعالي مسئولية الإنسان, ومساءلته حول استخدام هذه الجوارح للوصول إلي المعرفة. (الإسراء 36).
  
وعندما أشرع في الدخول إلي العالم الفكري والنفسي للإمام محمد عبده, تستحضر الذاكرة وقفة سيدنا إبراهيم, عليه السلام, مستحثة مني وقفة تأمل عقلي ووجداني علها تهديني إلى مدخل لفهم فكر وشخصية الأستاذ الإمام.

في كتابه "رسالة التوحيد", تستوقفني عبارة له كأنه يستشرف بها مدخلي إليه, يقول:
      "... تشعر كل نفس أنها مسوقة لمعرفة تلك القوة العظمي, فتطلبها من حسها تارة ومن عقلها أخري, ولا سبيل لها... إلا طريق النظر... ولكن... كلما رق الوجدان, ولطفت الأذهان, ونفذت البصائر, ارتفع الفكر, ...إلي معرفة هذه القدرة الباهرة, واهتدي إلى أنها قدرة واجب الوجود..." 

تأخذني كلمات هذا الرجل إلي حيث وقف قبل أكثر من مائة عام, يتأمل حال أمته فيجدها في كثير من جوانبها بعيدة عن جوهر تعاليم الإسلام.  ويتأمل الإسلام فيجده متهما من الخارج كسبب للتخلف. ومن الداخل قد أصابه الجمود بسبب جمود الفكر القائم علي تطبيق أحكامه. هذا الإسلام الذي كان قبل أكثر من ألف عام منطلق حضارة اكتشفت وأرست قواعد عدد من العلوم والفنون والآداب بفروعها المختلفة.

وها نحن نعود بعد مئات السنين, لنقف علي الأطلال نتساءل عن أسباب غربتنا عن جوهر الإسلام, وغربتنا عن أنفسنا: 

* ما الذي أوصلنا إلي هذا الحال؟ 
* وكيف نشخص المرض؟
* وهل نكتفي بمعالجة الأعراض؟ 
* أم أننا بحاجة ماسة إلى تدارك المسببات الأصلية, وهل نكتفي بذلك؟ 
* أم أن مستقبل الإسلام ومستقبل الأمة يحتم علينا أن نضع مخططات مدروسة لبناء إنسان المستقبل, وألا نكتفي فقط بترميم ما قد تهدم من البنيان ؟ وشتان الفارق بين متطلبات البناء و متطلبات الترميم.

* أما السؤال الأهم في نظري هو: هل نملك الأدوات (العلمية/الفكرية/الإيمانية/المعرفية/..) اللازمة للتعامل مع التحديات التي تطرحها هذه الأسئلة ؟ وهل لدينا ما يكفي من شجاعة الإرادة لاستخدامها في مواجهة هذه التحديات؟

وأعترف أن في الاقتراب من عالم هذا العالم الجليل مخاطرة كبيرة للأسباب التالية:    

أولا, أن الفكر التجديدي الديني للإمام محمد عبده يضعه في خانة "المحظور عليهم" أو في خانة "مفكر تدور حوله الشبهات". وذلك كما دلل الأستاذ/ الدكتور محمد عمارة "...لأن موقفه من العقل والفلسفة يجعله الامتداد المتطور  لمدرسة المعتزلة...ومن ثم فانه هنا خصم لسلفية الوهابية وليس مجرد مخالف لها..."  وأخطر من ذلك موقفه وفكره الفقهي الخاص بتعدد الزوجات و مسألة الحجاب الذي تصدر به كتاب " تحرير المرأة "  لتلميذه قاسم أمين.  قاسم أمين ترسخ في عقول بعض دعاة الدين المتشددين ك" مخرب عقول النساء" وليس محررها. ولنا أن نتخيل كيف أن تحرير المرأة من قيود الجهل يمكن أن يخرب عقلها !  

تبعا لذلك نجد أن معظم جيل الشباب في وطني لا يعرف من هو الإمام محمد عبده( لأنهم يعرفون إماما واحدا هو الإمام محمد بن عبد الوهاب) كما أن الكثير منهم لم يسمع  بجمال الدين الأفغاني, وإن سمعوا به, فذلك في إطار "الفكر المستغرب/التغريبي". 

وقد ترسخ هذا الجهل بفعل مخططات الإقصاء لكل فكر تنويري, وتشويهه, وحرمان أجيال من الشباب من التعرف عليه. و تعزز أكثر في إطار ما لُقب فيما بعد ب"الصحوة الإسلامية "في الثمانينات. و التي كان من أهم مظاهرها محاصرة/تكفير الفكر الحر المستنير وقطع روافده عن المجتمع, فانحصرت قضايا الأمة في مسائل صغار؛ مما أضاع فرصة حقيقية لنهضة علمية وفكرية يُعلي بها شأن الأمة و الإسلام معا. ما حدث هو العكس تماما, فان ما ترتب علي منهاج هذه "الصحوة" "إخافة الناس من الإسلام"  و غرس بذور التطرف الديني في نفوس جماعات من النشء, ذكورا وإناثا, و الذي يحصد العالم الإسلامي والعربي نتائجه إلي الآن,  ويحاول تداركها ببرامج إصلاحية, تعالج الأعراض فقط دون المسببات الحقيقية للخلل.

أين وجه الخلل ؟
تساؤلات طرحت قبل مائة عام , ومازالت تطرح الآن, ولا أدري إن كانت ستظل  هي نفس تساؤلاتنا بعد مائة عام أخري.

قبل أكثر من مائة عام (1849-1905),  تساءل الإمام محمد عبده عن مراتب أوجه الخلل في وطنه مصر, كي يحدد أولويات الإصلاح:

1 هل يبدأ من النفوس التي ضعف فيها الإيمان, فيسن لها برنامجا في التربية الوجدانية؟

2- أم أنها السياسة التي تقوم علي الظلم والاضطهاد, فيضع لها خططا واستراتيجيات للإصلاح, وهنا عليه أن يختار إما طريق الثورة أو الإصلاح التدريجي- وخاصة أن البلاد تحت الوصاية ومعرضة للاحتلال؟

3- أم انه الجهل وعدم التأهيل المهني, فيوصي بفتح المدارس والمعاهد أمام المصريين؟

4-أم أنه الفقر وعدم تكافؤ الفرص, فينادي بضرورة التوزيع العادل للثروة الوطنية علي المواطنين ؟

5- أم أنها العادات والتقاليد التي فاق سلطانها سلطان الدين في تأثيرها علي العامة, فيجعل التجديد الديني جزءا أساسيا من مشروعه الإصلاحي؟
  
6- أم أن المشكلة في رجال الدين أنفسهم, وقفوا بالدين حيث يجب أن يكون متحركا متفاعلا فنتج عن ذلك الجمود, فيشن حربا إصلاحية علي وضع التعليم في  الأزهر؟

7- أم أن الخلل الأكبر وراء كل خلل آخر, هو العداء بين العلم والدين؟ وهل هو عداء حقيقي في الإسلام؟ أم أنه مفتعل نتيجة عوامل تاريخية وسياسية حجرت علي الدين, وحجمت معطياته الحقيقية فعجز عن التفاعل مع معطيات العلم العصري وانجازاته ؟

يبدو أن الإمام محمد عبده اجتهد في مجابهة إصلاحية علي كل هذه المستويات. الأمر الذي يجعل محاولة استيعاب جزئية من مشروعه الإصلاحي منفصلة عن الأجزاء الأخرى أمرا صعبا. ومن هنا تبدو ضرورة رسم الملامح الأساسية لبنيته الفكرية, ثم تسليط الضوء علي ملمح من تكوينه الوجداني/النفسي, والتي علي أساسها يمكن وضع مشروعه الإصلاحي الاجتماعي في إطاره الصحيح.

No comments: