With a Smile..you look beautiful
جدة: من آمنة بدر الدين الحلبي
مجلة فيجارو .أغسطس 2015
حوارمع الدكتورة فاتنة أمين شاكر
سابقة لنفسها، محلقة في ملكوتها، وما الدراسات التي قدمتها في محطات حياتها سوى أساسًا لذاتها القوية في شموخها كجبال الطائف، الرحيمة تتألم لعصفور داخل قفصه، لأن ذاتها عاشقة للحرية كي تبدع فكريا وثقافيا، باحثة عن الأمل المشرق في النفوس، والحلم بلا قيود، لاعتبار الأحلام فضاءً بلا حدود.
بتأملاتها تتزاحم الأفكار على نفسها، وتسترجعها من قفص الذاكرة المحمومة بمعرفتها بالإنسان البعيد القريب، الذي أرست معايير لقاءاتها إنسانيته، من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، فتعمقت رؤيتها الفكرية في رسالة الدكتوراة باختيار "إشكاليات التحديث في الدول النامية بالتركيز على المملكة العربية السعودية كحالة دراسية تختبر فيها فرضياتها".
الدكتورة فاتنة أمين شاكر المحمومة بأبجديات علم الاجتماع النفسي والسياسي بلورت أحلامها وطموحاتها في الولايات المتحدة الأمريكية ليكون الوطن قبلتها حتى تزرع عند طالباتها الوعي المجتمعي والثقافي في جامعة الملك عبد العزيز بجدة على مدى عشرين عاما.
التقتها "فيغارو" في دارتها لتسافر برفقتها على متن قطارها العلمي والثقافي والمعرفي وتقطف من محطاتها بعضا من تلك الذاكرة المعصوبة بالحنين لجدة التاريخية، والمتزينة بسنابل القمح، المعطاءة المعجونة بالمعرفة والعلم كأنشودة مطر هطلت فأينعت في كل مكان.
• الدكتورة فاتنة عمدت لترجمة إشكاليات التحديث بالدول النامية في رسالة الدكتوراة، ما الذي رميت إليه؟
- الهدف الأساسي هو دراسة الأطر النظرية والمنهجية التي كانت تتبع في دراسة وتفعيل عمليات التنمية في مجتمعات ما سمي بالعالم الثالث ومدى ملاءمتها لخصوصية وأوضاع هذه المجتمعات وهي في أغلبها مجتمعات تقليدية.
• ما هو النموذج السائد آنذاك؟
- النموذج السائد حينها كان النموذج الغربي للنمو الاقتصادي وهو في فرضياته لم يحقق التقدم المرجو لأنه يرى في التقاليد المجتمعية متمثلا في الدين والأسرة عائقا ويركز أساسا علي البعد الاقتصادي، فتوصلت إلى نموذج مختلف، يقترب من النموذج الياباني آنذاك الذي اعتمد التزاوج بين قيم تقليدية وبين التحديث، وبدراسة المجتمع السعودي توصلت إلى نموذج يثبت وجود وأهمية هذا التزاوج، وخاصة أن القيم الإسلامية تحمل دوافع التحديث والتجديد.
• ما هي فرضيتك؟
ـ دور النظام الملكي في عملية التحديث كان واضحا في التعليم، وفي التنمية الاجتماعية، لتواجده القوي في القرى منذ زمن بعيد، وفتحه لمراكز التنمية الاجتماعية، لكن السؤال كان: إلى أي حد يستطيع طبيعة النظام أن يتحمل تبعات التعليم والتنمية المجتمعية دون مواجهة مطالب سياسية بمزيد من الحقوق والمشاركة السياسية؟
• من استفاد من تلك الدراسة واعتمد عليها؟
ـ رسالتي كانت مرجعا هاما للكثير من الدراسات اللاحقة في مجال التنمية والتحديث
هل استفاد منها القائمون على برامج التنمية وصانعوا القرار؟ لا أدري .. ربما .. كان رهان أساتذتي على ذلك.
• تقولين في سيرتك الذاتية: اخترت هذا التخصص بغية فهم المجتمع ومكوناته؟
ـ عندما عدت إلى بلدي بشهادة بكالوريوس من جامعة القاهرة في الإدارة العامة وبدأت عملي في وزارة الشئون الاجتماعية "1962" اخترت تخصص علم الاجتماع في الدراسات العليا ليكن دوري فاعلا في عملية التغيير المجتمعي بأن يكون قائما على أساس علمي.
• هل حققت الدكتورة فاتنة أحلامها؟
ـ لم يكن لي حلم منفرد عن أحلام الوطن، بل تحققت أحلام الكثير من الرجال والنساء، وما نراه اليوم على صعيد تعليم المرأة وعملها، وخوضها العديد من المجالات الثقافية والمعرفية والطبية والاقتصادية والإعلامية هو دليل على ذلك، لأن حركة التنمية التي نراها الآن حصلت بالتدريج، ولم تأتِ من فراغ.
• بين الواقع والمأمول ماذا أحدثت الدكتورة فاتنة من تغيير؟
- بعد مسيرة تعليمية في جامعة الملك عبد العزيز لمدة عشرين عاما، تيَّقنت أنني حققت الكثير، عندما أخبرتني دكتورة بأن رسالتها تدور حول "الإبداع" وبأن كلمة "إبداع" وصلت إلى مسامعها لأول مرة في إحدى محاضراتي، أدركت حينها أن التغيير عن طريق التعليم يحقق نقلة نوعية، فالتعليم له قدسية بقاموسي، إن كان المعلم مخلصا ولديه هدف ورؤية بعيدة لبناء عقول المستقبل، لذلك كنت أهمسُ لطالباتي "أنتنَّ رأس مال المستقبل.
والحقيقة أن مهنة التعليم من أصعب المهن ، لأن التعليم بناء، وبناء شخصية واعية مفكرة مؤهلة بمهارات حياتية.
• التقيت الملك فيصل طيب الله ثراه بماذا خرجت من هذا اللقاء؟
ـ قبل سفري إلى أمريكا بأوائل الستينات، كان لي لقاء معه برفقة والدي رحمة الله عليهما. من كلماته ونصائحه: ستسافرين للدراسة كوني سفيرة للوطن، ستكون العيون عليك،
خرجت من اللقاء باحترام فائق لشخصه وانطباع رائع عن حكمته وتواضعه.
والتقيت به بأواخر الستينات طلبا لمقابلة أساسية في بحثي للدكتوراة كأعلى سلطة في الدولة، استقبلني بنفس الاحترام السابق والتقدير، منحني الكثير من وقته، وشرح لي رؤيته بالنسبة لعمليات التغيير والتطور المجتمعي. وقد شكلت هذه المقابلة منعطفا أساسيا في رسالتي والتي أشاد بها أستاذتي واعتبروها وثيقة هامة.
• كنتِ معتقدة أن الوطن بحاجة إلى معرفة متخصصة في مسيرته التنموية، هل استطعت أن تحدثي نقلة نوعية؟
ـ من يعمل بالمجال الثقافي والمعرفي برؤية واضحة ومخلصة لا بد أن يقدم لوطنه الكثير. وبدون أدنى شك أحدثت بصمة إيجابية توعوية، ثقافية في نفوس وعقول من تقاطعت طرقاتنا معاً.من خلال العمل في مجال التعليم والإعلام والمساهمة في العمل التطوعي
والكلمة الصادقة التي تخرج من القلب، تحقق الكثير على أرض الواقع، فالمتلقي يمتلك ذكاء خارقا لمعرفة مدى مصداقيتها، والنتائج تُقاس في النهاية بمدى النجاح في استجابة الفرد والمجتمع لتحديات المرحلة.
• ماذا أخرج عندك التحدي؟
ـ ساعدني على اكتشاف قدراتي الداخلية، ومنحني الإصرار والعزيمة، والإيمان والثقة وعدم الخوف.
• قبل أن تعودي للوطن كانت الوجهة كينيا، بين أمريكا وكينيا ذاك الإنسان الذي تبحثين عنه ليزيدك معرفة بالحياة، ماذا اكتشفت خلال 4 سنوات في كينيا.
ـ كينيا هي المدرسة العملية والإنسانية التي علمتني الكثير. فيها اكتشفت الفجوة بين الواقع و العلم النظري، كثيرا ما يأتي الواقع مُخيبا للنظريات والتوقعات العلمية وهذا رائع لأنه يساعد على إعادة تقييم مفاهيمنا النظرية حول الإنسان والمجتمع.
• ماذا عن المرأة الكينية؟
ـ المرأة الكينية مناضلة عظيمة، صابرة وقوية، تبقى في القرية تعمل طول الوقت، وبعيدة عن زوجها الذي يعمل في المدينة، وتنتظر رؤيته مع هلال كل شهر.
• السيدة التي ترجمت الحلم واقعا حين انطلق صوتها كحمام زاجل من الإذاعة السعودية في عام 1962م يقدم برنامجا للمرأة والأسرة، ماذا قدم لك المجتمع، وماذا أخذ؟
ـ كان خروج برنامج إذاعي بصوت امرأة في الإذاعة السعودية نقلة نوعية في المسيرة التنموية، ويعود الريادة فيها للملك فيصل رحمة الله عليه، خلال أسبوع واحد خرج أكثر من صوت سيدة عبر الأثير، هذا وجه من أوجه عطاء مجتمعي لي، كانت فرصة أن أساهم ولو بتواضع في مسيرته، ومع كل جديد أو مُستجد على المجتمع يكون هناك تحديات ولكنها تعطي أكثر مما تأخذ.
• رئيسة تحرير في مجلة سيدتي، كيف دارت رحى الحياة في مهنة المتاعب؟
• كانت مهنة المتعة والمتاعب بآن واحد. المكتب الأساسي في لندن. الرقابة هنا، والطباعة هناك. وبين هنا وهناك والدول العربية التي وزعت فيها سيدتي، كنت أدير فريقَ عمل يحمل كل خلافات الشرق الأوسط الفكرية والعقائدية والأيدولوجية. ومع ذلك كانت تجربة ثرية ورائعة، اكتشفت بداخلي قدرات إدارية ونفسية لم أكن أعرف بوجودها لديّ، مع خلفيتي العلمية الأكاديمية تمكنت من إدارة فريق العمل بسلام ونجاح بفضل من الله عز وجل.
• بحثت عن الأنثى في السيدة السياسية أنديرا غاندي، هل وجدت الأنثى العظيمة ترفل بين جوانحها؟
ـ كان مهيبا، أن ألتقي بالسيدة انديرا غاندي، وكل همي أن أتعرف على الأنثى في أعماق المرأة السياسية، فاكتشفت في داخل كل امرأة أنثى حقيقية، منحتني ساعتين وفتحت قلبها وعقلها بأريحية، وبعد المقابلة دُعيّتْ إلى السعودية بعدما كانت عاتبة عليها.
• الوعي غايتك، والمعرفة وجهتك، والثقافة رئة الحياة لك، لِمَ الدكتورة فاتنة الحاضر الغائب اليوم؟
ـ أرفض كلمة الغائب رفضا قاطعا، والدكتورة فاتنة وُجدت بظرف معين، للقيام بدور معين، وانتهى هذا الدور، ولست أسيرة أي شيء يمكن أن أعتبره تحقيق أو إنجاز. "الحضور" يحمل في اعتباري معنى يختلف جذريا عن المتعارف عليه. حاضرة خارج الضوء و"خارج الصندوق". أبث روح التفاؤل والأمل والإيجابية فيمن حولي وفي الحياة بشكل عام.
• هذا التأمل الروحي من أين تستمده الدكتورة فاتنة؟
ـ من جدة التاريخية، من طفولتي مع سنابل القمح في الطائف، لأن طفولتي كانت ممزوجة بالطبيعة. من قراءات مبكرة فتحت لدي قنوات الاستقبال لطاقة الحُب الهائلة الموجودة في الكون، أستقبلها وأرسلها في مرايا الروح لكل من يريد التواصل.
• هل الدكتورة متفائلة؟
ـ متفائلة جدا بالنسبة لمستقبل البشرية، لإحساسي بوجود وعي كوني ووعي روحي، بعدما يصل الإنسان إلى تحقيق أحلامه الدنيوية يعود ليبحث عن الأصل: من أنا، ولماذا؟ ومن يصل لهذا العمق، لا يمكنه أن يتواصل مع الكون إلا إذا تواصل مع نفسه، وكلما تواصلنا مع أنفسنا، تواصلنا مع تلك القوة الكونية التي ستصنع الشبكة العنكبوتية الروحانية، لذلك لذا أجد نفسي حاضرة بكل معنى الحضور.
• من أصدقاء الدكتورة فاتنة.
ـ الصداقة وفاء وتواصل. أصدقائي الحقيقيين هم من يتواصلون معي بالرغم من مشاغل الحياة وبعد المسافات، يتواصلون محبة لا مُجاملة أو واجبا، لأن التواصل يسعدهم ويضيف إلي حياتهم معنى جميل، كما يسعدني ويضيف أجمل المعاني لحياتي.
• ما بين البحر الأحمر في جدة، والبحر المتوسط في الاسكندرية هذا التنقل المستمر والدائم أيهما يمنحك الاستقرار؟
ـ جدة تمنحني الأرض والوطن والجذور، والاسكندرية تريح نفسي للتأمل التام، والبحر هو الرابط بين هنا وهناك، لأنه عشقي الجميل.
• في سيرتك الذاتية تقولين: "تعلمت أن الحياة كتاب، يتيح لكل إنسان فضاءً خاصا به، كي يُلونه ببصمته الخاصة" ما لون بصمة الدكتورة فاتنة للفضاء الواسع؟
ـ تنهدت بعمق وهمست لـ "فيغارو": أعشق ألوان البحر بكل لحظاته، بَصْمَتي حزمةُ ألوان.
• جبران خليل جبران يقول: "في أعماق نفسي أغنية لا ترتضي الألفاظ ثوبا، ولا تريد أن تسيل مع الحبر على الورق" في أعماق الدكتورة ما هي الأغنية؟
ـ "أعطني الناي وغني فالغنا سر الوجود" وتساءلت منذ أيام في الفيسبوك : هل هناك حياة قبل الموسيقى، لأن الطبيعة نغم جميل، والفن بأشكاله ثراء وفرح وبهجة الحياة.
• عصير الكلام
ـ شكرا لمجلة فيغارو وأسئلتها الرائعة.
***
No comments:
Post a Comment