من أي نوعٍ أنت !؟
تعرَّفْ علي شخصيتك من مفرداتك اللغوية المتكررة في أحاديثك اليومية.
وخاصة تلك التي تستخدمها في المواقف التي تستدعي اتخاذ قرار، أو حلَّ مشكلة، أو الإقدام علي تجربة جديدة.
هل تشمل هذه المفردات علي عبارتيّ : لا .. لا أستطيع ! .. و ماذا لو !؟
في الأسرة ، بإمكان الأب والأم ملاحظة لغة الحوار بينهما، ولغة الحوار أو المخاطبة مع الأبناء، وأيضا ملاحظة لغة الأبناء والعبارات التي المتكررة فيها بصفة مستمرة.
وأيضا في المدرسة، بإمكان المعلم / المعلمة ملاحظة استجابات التلاميذ لأسئلته.
والسؤال : هل تظهر هاتان العباراتان بوضوح في لغتنا اليومية ؟
من ملاحظاتي العامة في الواقع الإجتماعي ، وفي مجال التدريس ، أكتشف أن الجزء الواضح من شخصية الإنسان العربي يتمركز حول : "لا .. لا أستطيع ؟" "و ماذا لو ؟ "
صديقات ونساء عديدات تشتكي الواحدة منهن من تفشِّي " التظاهر والتفاخر" وتعاني من عبء محاولة التمشي مع المظاهر المادية المكلفة .. إذا قيل لها لماذا تشاركين في إسلوب حياة تُعانين منه ؟ يكون ردُّها : لأني لا أستطيع غير ذلك ! وإلا ماذا يقول عني الناس !
أُسرٌ معروفة بالنضج ومخافة الله ، إذا طُلب منها أن تحتفل بمناسباتها بأساليب أكثر معقولية وأقل بذخا ، يكون ردها : لا .. لا نستطيع ! ماذا يقول عنا الناس !
ونجد عبارة "لا .. لا أستطيع" هي أول رد فعل لدي طالبات الجامعة ، وتلاميذ المدرسة سواء بسواء.. لأي واجب دراسي يعتمد علي تشغيل العقل قليلا وبذل بعض الجهد.
هذا علي خلاف الأطفال. فالطفل بطبعه مجربٌ جيد. بل هو مدفوعٌ باستعداداته الفطرية للتعلم. فالطفل يجرب كل شيء، يضع يده علي كل شيء، يلعب مع أي شيء وبأي شيء كائن ما كان. تسترعي انتباهه الحشرات الصغيرة المتحركة، مستعد لأن يضع أي شيء في فمه، منخاره، أذنه ، عينه...
ومن تجربة لأخري، ومن ردود الفعل لدي الآخرين حوله لتجاربه الطفولية العضوية الهامة، يتعلم الطفل الخوف.. يبدأء بتعلم الإحجام.. يتعلم تدريجيا حدود المسموح، وحدود المقبول، وحدود الخطر .
هكذا تنمو خلايا المخ عند الطفل وهكذا ينمو عقله. وهكذا تنمو مفرداته اللغوية.
كلما اتسعت المساحة المتاحة له بالتجريب الآمن ، وتحت إشراف الكبار، كلما اتسعت قدراته ونمت. وكلما نمت معه اللغة التي تدل مفرداتها علي استعداد هذا الكائن علي الإقدام، والتجريب، والتعلم.
الطفل في الواقع يولد باستعدادات تؤهله لأن يكون إنسانا إيجابيا في حياته.. الخيال مع التجريب..مع حب الاكتشاف ..مع الإصرار ..و المحاولة مرة واتنين وثلاث حتي يحصل علي ما يريد ! الطفل مساوم من الدرجة الأولي.. لا يستسلم ولا يسلم بسهوله ..
من تسنح له فرصة مراقبة وملاحظة سلوكيات الطفل ، وخاصة في السنتين الأولي من عمره، يكتشف عظمة القدرات الفطرية التي حبانا بها الله. ويكتشف أيضا كيف تخبو وتضمحل هذه القدرات لدي الكثيرين علي مدي سنوات العمر.
فعمليات التربية والتعليم في مدارسنا ، وعمليات التنشئة الإجتماعية الأسرية كفيلة باغتيال مقومات النجاح والإبداع لدي الكثير من أطفالنا ، وتحويلها إلي معوقات في النمو الطبيعي، والناتج هو .. كائنات بقدرات غير قابلة وغير مُفعَّلة علي التفكير والابتكار ، والقدرة علي مواجهة تحديات الحياة.
أحيانا يعتقد الوالدان أن الطفل المثالي، الطبيعي ، هو الهاديء دائما .. الصامت.. لا يتكلم كثيرا .. والذي يبقي في مكانه أينما وضع دون حركة !
هذا خطأ جسيم في التفكير. بل إنه أحد أهم التشوهات الإدراكية لدي الكثير من الآباء.
والطامة الكبري عندما نجد مُعلم المراحل الأولي يسير علي نفس منطق هؤلاء الآباء. فيعمد بجهله إلي قتل ما تبقي في الطفل من روح التجربة ، وحب الاكتشاف ، والمخاطرة الفكرية بالسؤال والاستفسار، لتحل مكانها ذهنية التردد ، والخوف، والتحسب لكل صغيرة وكبيرة.
فينتج عن ذلك شخصية مهتزة .. خائفة .. تتوقع الفشل دائما .. تُحبط بسهولة .. خاملة .. تتقاعس عن التفكير .. لا تجد أمامها بابا تحتمي وراءه إلا هاتين العبارتين :
لا .. لا أستطيع !
ماذا .. لو ؟
ونتوارث الكارثة عندما يكبر هذا التلميذ بهذه الذهنية ، ويصبح ذات يوم أباً ومعلماً !!
*******
No comments:
Post a Comment