يوم في حياة أنديرا غاندي..
بقلم د.فاتنة امين شاكر
سُئلت السيدة "أنديرا غاندي" من قبل أحد المراسلين الإنجليز "متى تنتهي الحكاية؟" بمعنى: متى تتوقفين؟
أجابته بابتسامه: "طالما الهند في احتياج إليّ لن أتوقف"، بمعنى: "لن اتنحى عن العمل السياسي طالما هناك مكان لي على الساحة السياسية".
تذكرت حديثها لي، وتصريحها بأن تكوينها الفكري والنفسي يحتم عليها أن تكون دائماً وسط الأحداث وليس خارجها.
أي أن تكون دائماً انساناً مشاركاً ومؤثراً على اتجاهات الأحداث داخل الحياة السياسية أم خارجها.
"أنديرا غاندي"هي أحد هؤلاء الذين لم تترك لهم الحياة فرصة التفرج على التاريخ، بل حتمت عليهم ترك بصماتهم على صفحاته، وهؤلاء قلة، وهي ترى نفسها بإصرار واحدة منهم.
وكثيراً ما تتبادر إلى ذهن الانسان العادي عشرات من الاسئلة عن حقيقة هؤلاء، كيف يفكرون، وكيف يشعرون، وكيف يديرون حياتهم خارج حدود إدارة شئون الأمة؟ وربما يكون من الأوقع أن يتساءل الإنسان العادي: "هل لهؤلاء القلة من صناع التاريخ حياة خاصة بهم مستقلة عن حياتهم السياسية العامة؟"
بالنسبة لانسان كـ انديرا غاندي تبدو الإجابة واضحة وغامضة في آن واحد. واضحة .. لأن شخصية السيدة انديرا واضحة: "لا احب توجيه النصائح، كما اني لست ممن يتلقون نصائح من احد. لم يسيرني احد من قبل – حتي وانا طفلة- ولن يسيرني احد الان" .
هذه هي المعاني المتكررة في تصريحاتها والتي تدل بوضوح على شخصيتها، شخصية إنسان يحتكم في اغلب الأحيان إن لم يكن كلها- إلى فكره ومشاعره ورؤيته.
ولكن، أليس الاحتكام الى رؤية فردية استبداداً وخاصة عندما لا تقتصر هذه الرؤية على حياة شخصية بل تتعداها إلى حكم أمة يبلغ تعداد سكانها 700 مليون نسمة؟!
نعم.. وبكل تأكيد.. ولكن دفاع "انديرا غاندي" يتلخص في أن هذه الرؤية التي تحتكم إليها في حكمها مستمدة أصلاً من نبض الناس، ومن خفقة الهند.
هذا النبض وتلك الخفقة هما اللذان أوصلاها إلى مقعد الحكم عبر أصوات الناخبين، ويبقى الشق الآخر من الاجابة بخصوص حياة وشخصية "انديرا غاندي" غامضاً، فليس هناك من استطاع أن يتعرف على جوانب هذه الشخصية ككل، وكوحدة متكاملة.
وإن كان زوجها الراحل "فيروز" هو الوحيد الذي تيسر له أن يقترب ليرى، بل ويكتشف أكثر من جانب من جوانب شخصيتها، "هكذا كان اعترافها المتردد".
وعندما ابديتُ لها رغبتي في تخطي حدود المقابلة الرسمية ومتابعة أحداث يوم من أيام حياتها، لم اتوقع ان اكتشف في ساعات قليلة ما خفي عن كل الناس، فقط.. أردتُ أن أعرف كيف تقضي رئيسة الوزراء يومها، أو الجزء الأكبر منه.
في اليوم الذي أجريت فيه مقابلتي معها، حمل جدول أعمالها موعدين قبل موعدي، وموعداً بعده لاجتماع بدا هاماً، وقد بدأت الدورة الصباحية- كالعادة- عند الساعة العاشرة والنصف، وانتهت عند الساعة الواحدة والنصف، أما فترة العمل المسائية فقد بدأت عند الساعة الرابعة واستمرت حتى الخامسة والنصف، وحملت مواعيد لسبعة مقابلات رسمية، بمعدل مقابلة كل 15 دقيقة، ثم اختتم الجدول بعبارة تقول: "مشاهدة فيلم وثائقي- الساعة السادسة والنصف".
وفي ذلك اليوم، تراوحت الأعمال الرسمية للسيدة "انديرا غاندي" مابين الاجتماع بممثلي خمسة دول مختلفة، وبين استعراض ودراسة الشئون الداخلية مع وزير اقتصادها، ووزير خارجيتها، ولا يشير إلى حضور رئيسة الوزراء إلى مكتبها أو مغادرتها له إلا دقتها في الالتزام بمواعيدها.
تحضر في تمام العاشرة والنصف صباحاً، وتغادر في تمام الواحدة والنصف ظهراً، لتعود في تمام الرابعة عصراً، ولا يميز سيارتها – الهندية الصنع- عن سيارات الآخرين من المسئولين أو المواطنين غير علم الهند الذي تحمله، وتشكل فترات الزمن المتبقيه خارج حدود هذه المواعيد ملامح الحياة الخاصة برئيسة الوزراء، وقد دعتنا السيدة "انديرا غاندي" لمشاركتها الوقت من الساعة الثامنة صباحاً حتى العاشرة والنصف في منزلها.
اذ إن هذه الفترة مميزة جداً بالنسبة لها، لأنها تستقبل فيها يومياً- ماعدا يوم عطلتها- كل من يريد مقابلتها.
وجاء اليوم التالي، وكنا امام منزلها في تمام الساعة الثامنة، وأمام المنزل شاهدت جمعاً غفيراً من الناس، رجالاً ونساء، مسنين وصغار السن، موظفين ومزارعين، وانتهت مراسم دخولنا في دقائق، وفي الداخل أخذتُ موقعاً في الحديقة للمراقبة، وفُتحت أبواب الحديقة، وتقدم طابور طويل من الأطفال يرتدون حلل مزركشة، اتجهوا إلى خيمة معدة لاستقبالهم في احتفال صغير، وتقدم جمع كبير انقسم إلى مجموعات أخذت كل واحدة منها محلها على الحشائش.
وفي تمام الساعة الثامنة والنصف جاءت "انديرا غاندي" بخطوات مسرعة نشطة، يرافقها احد المسئولين.. تتجه إلى الخيمة حيث ينتظر الاطفال بشوق، ثم تخرج لتجد فريقاً امريكيا جوالا يطلق على نفسه اسم : (السفراء الشباب)، جاءوا يلقون عليها التحية اثناء جولة لهم في الهند، وبعد تبادل التحيات تتجه إلى جماعات المواطنين، تتنقل بينهم، تتسلم منهم اوراقاً، تتحدث معهم، تصافحهم، تستمع إليهم، واقترب الوقت من العاشرة والنصف ولمحتني أرقب،
جاءت وسألتني:
"هل شرح لك احد شيئا عما يجري هنا؟"
أجبت كل شيء واضح ولكن لدي سؤال : هل يأتي كل هؤلاء المواطنين بمشاكلهم إليك كل صباح؟
قالت: لا، لا يحملون جميعاً مشاكل، بعضهم حضر- وهم من المزارعين- ليخبرنا بأن الجسر الذي طلبوا بناءه قد أقيم وجماعة اخرى اصرت على الحضور بنفسها كي تسحب شكوى كانت قد تقدمت بها بعد أن زالت أسبابها والبعض الاخر اراد أن يتخطى حدود البيروقراطية فقرر أن يتقدم بطلباته مباشرة.
ونترك "انديرا غاندي"، أو تتركنا هي، كي تستعد للقاء آخر، في هذا اليوم لم تتوجه إلى مكتبها عند الساعة العاشرة والنصف كالمعتاد، لأن جدول اعمالها حمل العبارة التالية: "افتتاح المؤتمر الدولي للشباب، الساعة الحادية عشر".
وحضرنا معها افتتاح المؤتمر وواصلت هي برنامجها اليومي من اجتماع بالمسئولين، أو استقبال وتكريم لضيوف بلدها الرسميين، بينما اهرب أنا إلى الفندق احاول بالأحرف تسجيل ما التقطته رؤيتي من صور عن تلك الفترة الصباحية من يوم في حياة "انديرا غاندي".
ومازالت العديد من الصور حبيسة الرؤية لم تقوى الأحرف على تسجيلها، فلتكن هذه المقدمة لجولتنا المصورة هي كل ما استطعنا امتلاكه من اطلاله داخل حياة هذه السيدة: "أنديرا غاندي"
------
مجلة سيدتي -- السنة الثانية- العدد 58- الاثنين 19- 25 ابريل(نيسان) 1982: 25 جمادى الثانية – 2 رجب 1402هـ .
------
في نفس المكان.. ونفس البرنامج الصباحي .. وفي نفس التوقيت أغتيلت السيدة إنديرا غاندي
No comments:
Post a Comment