يونية ١٩٨١
هل تبقّى للكلمة من أثر ؟
أول مبدأ يتعلمه العامل مع جِراح الناس غير العضوية هو ألا يقترب منها جداً، أو بمعني اصح أن يضع حاجزاً بارداً بينها وبينه، وذلك حتى لا تتأثر بها مشاعره، وتنفعل بها خلجاته، فتسهل عليه عملية التقييم والمعالجة بدرجة كبيرة من الموضوعية.
ناقشت هذا المبدأ مع نفسي، وحاورت به الأستاذة التي حاولت ذات يوم اقناعي بفعاليته وأهميته. وكانت نتيجة الحوار أن اقنعتني استاذتي بعدم صلاحيتي للتخصص في مجال التعامل مع "مشاكل" الناس وجراحهم، وفرحت يومها، فقد منحتني استاذتي شهادة لا تقدر.. شهادة ضعفي أمام آلام الإنسان ومعاناته.
وهناك من الآلام ما يتكرر بشكل مستمر وملح ليصبح بمرور الزمن وجهاً اعتيادياً لحياة الإنسان، وعندما يتحول الألم إلى واقع تصبح الفرحة مبعثاً للدهشة والمباغتة.
وأعظمُ المٍ تحوّل في حياة الانسان العربيّ إلى واقعٍ هو تمزق أمته العربية، وتحوّلِ الاخ وابن العم إلى عدو تُرفعُ في وجهه رايات الحرب، وتوجّه إلى صدره رصاصات الموت، بينما العدوّ الحقيقي حيٌ يرزق، يتفرج تارة، ويُزكي نار الفرقه والحرب بين الاخوة تارة اخرى.
وليس مبعث هذه الكلمات "صحوة سياسية" في ضميري العربي، فقد توقف الفكر عن محاولة الوعي السياسي بعد اكتشاف حقيقة اللعبة السياسية، والاقتناع بأن "اهتمام امرأة " بسياسات عالمها العربي ليس إلا ذرة رمل تافهة في خضم صحرائنا الشاسع.
ولكنها مرة اخرى الكلمات!
تلكم الكلمات التي تأسر كل مكامن الوعي والإدراك ، تقودها إلى الواقع، تصهرها بأحزانه فتجردها من كل اقتناع تكون النفس قد غلّفت به نفسها. كلمات الفكر المتألم التي يطل علي بها البريد من آن إلى آخر .
أتمزق من معاني بعض هذه الكلمات، وأمشعر بإرهاق العاجز عن مد يد العون لأن في ذلك فضحاً لواقع مرير! وكما ذكرت – من قبل – أحياناً يخفت الصوت، ولكنه لا يموت أبداً.
واليوم، يفرض صوت قارئة مغربية نفسه على ساحة تفكيري، تقول ببساطة وسذاجة "تواعدنا انا وابن خالي على الزواج، ولكن امامنا مشكلة واحدة وهي انني احمل الجنسية المغربية وهو يحمل الجنسية الجزائرية، وانتم تعلمون أن الجزائر والمغرب يعيشان مشكلة سياسية مما يجعل زواجنا صعباً.
وكل ما اطلبه منكم ان توجهوا نداء الى حكام البلدين وبالأخص حكام الجزائر، كي يحلو مشاكلهم التي لها عواقب وخيمة على الصعيد العام، فكم من أب محروم من ابنائه، وكم من اخ محروم من اخيه".
هذه الكلمات بالرغم من بساطتها تعكس صوراً شتى عن واقعنا العربي!، ولعل ما يحدث اليوم في لبنان قد فاق كل التوقعات. ( واليوم الحاضر ٢٠١٢ في مصر وسوريا واليمن وغيرها )
ويحمل البريد كلمات أخرى تنم معانيها عن نفسية الانسان العربي،، تقبُّل للواقع ..استسلام ..اعتيادية.. ومع هذا مازال هناك الحلم.. مازال هناك أمل!
تقول الكلمات:
"اكتب هذه الرسالة والقذائف والصواريخ تتساقط على بيروت الحزينة البائسة.. لقد اضطررنا إلى هجر منزلنا اثر اصابته بثلاث قذائف صاروخية، وإصابة أمي إصابة غير خطرة.
كم أتمنى لو تخصصين احدى افتتاحياتك كنداء لإنقاذ لبنان الذي استباحوا فيه كل شيء، بعد أن كان لسنوات لؤلؤة الشرق والغرب. فهل يتخلى الجميع عنه وعنا؟"
اليك – يا عزيزي – الكلمات كما أرسلتِها، فإنها عندما تصدر عن الانسان المحترق تأتي محملةً بكل أنينه ومعاناته دون مواربة او تغليف.
ومن يدري قد يكون هناك بالفعل أمل في وجود اثر متبقي للكلمة!
No comments:
Post a Comment