Monday, February 13, 2017

وعن التعليم الحائر أستعيد مشهدا من تجربتي في التعليم الجامعي

من ذاكرة التعليم
من ذاكرة الحُب والأسى!*
عند بداية مشاركتي في حقل التدريس الجامعي في وطني (1979)، وجدت نصوصاً واضحة المعالم حول: توقعات الطالب من نفسه ومن معلمه، وتوقعات المعلم من نفسه ومن طالب العلم، وتوقعات المؤسسة العلمية من كليهما.
الآن .. وبنظرة متأملة، متفحصة، عميقة لتجربتي المتواضعة أجد أنها كانت عشرين عاماً خارج النص! لو لم تكن كذلك، لكانت تجربتي مشاركة في أي شيء إلا البناء !! بناء إنسان هذا الوطن والمنوطة به عملية التعليم في كل مراحله.
لماذا الخروج عن النص؟!!
ببساطة شديدة واختصار, إن مجمل النصوص المتداولة آنذاك (ومازالت) كانت تتعامل مع عملية التعليم من منظور واحد:
المعلومات تنتقل من المعلم بشكل أو آخر إلى الطالب ثم إلى ورقة الاختبار .. ثم إلى أين؟ لا يهم!! المهم أن يتخرج الطالب بشهادة جامعية وإن خالية من الكفاءة.
وحول هذه الرؤية لعملية التعليم تشكلت التوقعات السائدة في منظومة التعليم: المعلم هو مصدر المعلومات (وليس المعرفة) والطالب هو المتلقي (وليس طالب علم). والأخطر من ذلك من وجهة نظري هو القناعة العامة السائدة آنذاك بأننا نحتاج إلى أعداد من الخريجين والخريجات وليس إلى كفاءات.
ومن ثم كان التوجه للتركيز على الكم دون الكيف, التركيز على أعداد حاملي الشهادات وليس على قيمة هذه المؤهلات الورقية.
و من لطف الخالق بنا أن تهينا الحياة استثناءات من الطالبات والأستاذات وصانعي القرار, تدرك مهمة التعليم في بناء هذا الوطن وإنسان هذا الوطن. نخبة محدودة أدركت عمق المسئولية الملقاة على عاتقها كمعلمات وكطالبات.
ولكن هناك أعداداً لا بأس بها من النساء والرجال في مهنة التعليم,كم تمنيت  أن يبحثوا لهم عن عمل آخر غير التعليم!
***
أدرك تماماً أن النصوص الفكرية تتشكل في عقولنا وتُحفر عبر عمليات مستمرة من التنشئة الاجتماعية.
إن الطالبة التي تصر على دور المتلقي فقط معذورة، فقد تدربت على ذلك منذ طفولتها وحتى دخولها الجامعة.
إن وضع الطالبة الجامعية بشكل عام يعكس خللا ما في عملية التنشئة الاجتماعية التي مرت بها في أسرتها، ويعكس قصوراً واضحاً في مراحل التعليم التي مرت بها,  ويعكس تقصيراً من المسئولين والمسئولات في عدم استدراكهم السريع للسلبيات التي بدأت تفرزها تجربة التعليم في وطننا وهي بعد في مراحلها المبكرة.
والمعلمة ...وهي هنا للأسف أستاذة جامعية, هي أيضاً حصيلة تجارب حياتية وثقافية ونفسية قد تؤدي بها إلى التأطر والجمود الفكري والنفسي.
إن الشهادات الأكاديمية هي وثائق بأن حامليها قد تحصلوا على قدر ما من المعرفة المتخصصة، وأنهم يمتلكون القدرة علي البحث واكتساب المعرفة باستقلالية. ولكنها لا تضمن وجود الروح المبتكرة، المتطورة، البناءة، الفنانة التي تحتاجها عملية التعليم.
لذلك فإن برامج تطوير المعلم الجامعي لن تحقق الأهداف المرجوة منها إلا بعد تطوير من نوع آخر, تطوير من الداخل .. تطوير سيكولوجي، معرفي. أو ربما هو تطهير نفسي من الجمود الفكري في الرؤية للذات وللآخر؛ وتطهير جذري للبيئة التي تضمهما معا, المجتمعية والجامعية.
كما لا ننسى أن المعلم هو طرف واحد في العملية التعليمية، وإن كان أهمها.
لذلك يجب أن تنطلق الجهود من رؤية مستقبلية، وأهداف واضحة، ومعايير وقيم تتفق الأطراف المعنية عليها لمواجهة التحديات الآتية:
  أن نستطيع أن نحول كل قاعة محاضرة إلى بيئة حية ممتعة للتعلم أصبح هو التحدي.
  أن نستطيع أن نحول عملية التعلم من خط في اتجاه واحد إلى موقف للتفاعل الاجتماعي بين لاعبين رئيسين: المعلم وطالب العلم بهدف التعلم الذاتي تارة والتعلم التعاوني تارة أخرى، أصبح هو التحدي.
وأن يصبح التعليم في وعينا وقناعتنا عملية حياتية متصلة، مترابطة، متنوعة المصادر، ممتعة، مستمرة لا تبدأ ببداية الفصل الدراسي وتنتهي بنهايته، أصبح أيضاً هو التحدي.
لمواجهة هذه التحديات بإيجابية يحتاج المعلم إلى بيئة مهنية مترابطة، متسقة في أهدافها، غنية بإمكاناتها المعرفية.
ولكنه كفرد يحتاج إلى درجة عالية من المرونة، وقدر هائل من الصبر والقدرة على التحفيز الذاتي والجماعي بصفة مستمرة.
أيضاً يحتاج  المعلم إلى ملكات خاصة في تحويل الإحباط إلى طاقة إيجابية فعالة .. هذا بجانب قدراته المعرفية وتمكنه الأكاديمي.
وخلاصة الخلاصة .. المعلم .. كي يكون معلماً حقيقياً يحتاج أن يكون فناناً بكل ما للفن من مقومات.
* [مقتطع من ورقة قدمتها في ندوة عن تطوير المعلم الجامعي  تحت إشراف الدكتورة سهام الصويغ, إجامعة الملك سعود. سنة ؟؟]
*******
جدة ‏الإثنين‏، 17‏ جمادى الأولى‏، 1438  / Monday, February 13, 2017

No comments: