Saturday, February 4, 2017

من ذاكرة الحرف.. الفنانة صفية بن زقر

إمرأة من زمن البدايات*
.. هي رائدة من رائدات الفن التشكيلي في المملكة العربية السعودية. إسمها يسطع عالياً ليس فقط كفنانة, ولكن أيضاً كمؤرخة انثروبولوجية من وجهة نظري.
إنها الفنانة صفية سعيد بن زقر.
من مواليد مدينة جدة، عروس البحر الأحمر.
هي امرأة فنانة, شغفت بالتاريخ والتراث فرسمته توثيقا بفرشاتها وألوانها.
تقول عن نفسها:
"أحببت التاريخ وكان من الصعب علي أن اكتبه، فبادرت برسمه. تراث الماضي يذخر بالجمال. إنه مرآة حياتنا. كان يحز في نفسي أن أراه يندثر ويغيب إلى الأبد. لذلك بادرت إلى تسجيله وتوثيق حقبة من حياتنا. فأنا أؤمن بالماضي، إذ بدونه يجرد الإنسان من حصونه وجذوره ..."
نعم .. حملت صفية بن زقر فرشاتها وألوانها ودخلت التاريخ من بوابات حميمة، ألا وهي حياة الناس اليومية. حياة الناس بكل ما تذخر به من صور غنية ومتنوعة من عادات وتقاليد. تنوعت الصور من الشئون الأسرية اليومية، إلى المواقف الإنسانية، إلا الملابس، إلى المناسبات.
أدركت صفية بحسها الفني والانثروبولوجي أن ما توثقه اليوم (آنذاك منذ ثلاثين عاماً) إنما هو إرث.. غالي قابل للإندثار تحت وطأة المستجدات الحضارية للحياة في مجتمع تحيط به رياح التغير السريع من كل جانب.
ولم تكتف الفنانة صفية برصد وتسجيل وتوثيق المفردات الثقافية للحياة اليومية في المجتمع السعودي وخاصة منطقة الحجاز، إنما اجتهدت أيضاً في إحياء بعض المعالم التراثية التي بدأت بالفعل تتواري في عالم النسيان.
تسجيل .. ورصد .. وتوثيق .. وإحياء للتراث على مدى ثلاثة عقود ..
لم يكف كل هذا لتحقيق حلم هذه المرأة الفنانة..
تقول صفية أنها أحبت التاريخ فرسمته.. وأُكمل لأقول أنها وإن رسمت التاريخ أو حقبة منه فقد فعلت ذلك من أجل المستقبل. من أجل أجيال لن تجد من يحكى لها حكايات من الماضي، ويخبرها عن الجذور التي بدونها تفقد تلك الجسور التي سوف تحتاجها لوقفة متزنة واثقة باتجاه المستقبل.
ومن هنا بزغت "دارة صفية بن زقر" فكرة، وتتحقق اليوم واقعاً.
دارة .. لتكون متحفاً .. لتكون مدرسة .. لتكون مركزاً حضارياً ثقافياً يضم تراث إنسان هذه الأرض في حقبة لم يمر عليها الكثير ولكنها أصبحت تاريخاً. وكل من تسنى له زيارة دارة صفية يكتشف أن بين جنبات هذه الدارة كل شيء, كل لون .. ينبض ابالحب وأن التاريخ هنا يتكلم.
وفي أمسية من أماسي جده الرائعة هذه الأيام, تحول المكان إلى لوحة حقيقية مجسدة للجمال في أرقى معانيه وصوره. وكانت الفنانة صفية بن زقر تتنقل في المكان كنسمة رقيقة، كعروس في حياء وتواضع تزف إلى حبيبها الوطن!
فكما أهداها الوطن الكثير والكثير, فإنها تهديه وتهدينا هذه الدارة، نتعلم فيها ومنها دروساً ليس فقط في الفن وإنما في المعنى المبدع للمواطنة!
***
*نشرت هذه الكلمة في مجلة الإعلام, وأعيد نشرها هنا ومشاركتها  بمناسبة تكريم الفنانة الأستاذة صفية بن زقر في مهرجان الجنادرية لهذا العام, بمنحها وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الأولى. مع كل التهنئة.
جدة ‏
السبت‏، 08‏ جمادى الأولى‏، 1438-- Saturday, February 4, 2017
***

No comments: