من ذاكرة الحرف .. عن البروفيسورة سميرة إسلام
عرس الوطن ..
نحتفل بمناسبات عديدة نرفع لها الرايات وننصب لها أعمدة الزينة. وكثير من هذهالمناسبات قد لا يكون أكثر من لحظة عابرة ضخمتها عواطفنا وبساطتنا وسطحيةالرؤية لدينا، نخلع عليها أردية تحمل من الأهمية ما لا تتحمله تلك اللحظة العابرة.
وهناك من المناسبات ما يطل علينا بهدوء وتواضع، بلا مقدمات أو مواكب تمهيدية. تطل علينا فتشد أبصارنا تجاهها. وتغوص في أعماقنا تحشد كل مكائن الأمل والفرح والخير فيها، فتشكل منها قناديل ضوء نحملها ونسير إلى موقع المناسبة، ومثل هذه المناسبات قليل.
وفي الأسبوع الماضي استيقظ الوطن على خبر أضاء قناديل الفرح في نفوسناوعقولنا وأحلامنا وتطلعاتنا لهذا الوطن. إنه إنجاز لابنة من بناته جاء كإشراقةالفجر بعد ليل حالك طويل.
أنها أول "عالم سعودي" يتحصل على درجة الأستاذية في علم الفارماكولوجي وهي أول امرأة سعودية تصل إلى درجة الأستاذية. هذه هي الأستاذة الدكتورة سميرة إسلام. تتفوق هذه الإنسانة مرتين، ليس فقط على بنات جنسها إنما أيضاًعلى أبناء الوطن ككل في هذا المجال العلمي.
والمعنى الحقيقي لهذا الإنجاز لا يخضع لحسابات رقمية، إنه أعمق مما يمكن أننتصور، ولا يمكن أن نصل إليه إلا إذا عرفنا حقيقة هذه الإنسانة صاحبة الإنجاز.
من هي الأستاذة الدكتورة سميرة إسلام؟
لا أستطيع الإدعاء بمعرفة عميقة بينها وبيني تسمح لي بالغوص بكم إلى داخلأعماقها. ولكني أعرف عنها الكثير. وما أعرفه عن الدكتورة سميرة إسلام إنمااستقيته من صفحات التاريخ الحضاري في وطني. هذه الصفحات مضاءة بسجلالدكتورة سميرة المهني. وبقصة كفاحها مع الأرض ومن أجل بنات هذه الأرض.
كفاح تشهد عليه جامعة الملك عبدالعزيز، وتشهد عليه الزميلات ممن عاصرن الدكتورة سميرة هذا الكفاح، وتشهد عليه ساعات ممتدة من العمل. ويشهد عليهأيضا الثمن الذي دفعته الدكتورة سميرة غاليا في سبيل الأرض وبنات الأرض.
هناك يا سميرة من لا يزور التاريخ!
وأكاد أسمعها تقول: "ربما .. ولكن الإنجاز هو الشيء الوحيد الذي لا يخضع لقرار التاريخ. إنه هو في حد ذاته حكم وقيمة".
والآن .. أحمل قنديلي المتواضع وأسير مع المهنئين يعرس الوطن نعم – يا سميرة – فإنجازك هذا ليس إلا عرسا وطنيا. لا تكفي إضاءته خبر في جريدة أو كلمة تحية. فلن تكتمل الفرحة بهذا العرس إلا إذا توجها تكريمك على مستوى وطن.
فالفهد بن عبد العزيز قالها صراحة: "أنا مع النساء".
وكل امرأة، وكل فتاة، طالبة، عاملة، أم، زوجة في هذا الوطن تغزل أحلامها حولهذا الوعد، حول هذا التأكيد.
دار نقاش ونقاش حول إمكانية تخصيص جائزة للأدب تفوز بها أنثى من هذا الوطن. وكادت الردود أن تجمع بأن عطاء الأنثى لم يصل بعدإلى مرحلة الإبداع الأدبي الذي يستحق هذا التكريم.
ولكن في مجال العلم، الحال يختلف.
ها هي عالمة تأتي لنا عبر أعمالها وعبر كفاحها تحمل اسم الوطنتحفره على لائحة الشرف في عالم البحث العلمي .. عالم الاكتشافوالابتكار والعطاء.
فهل هو كثير عليها أن نطالب الدولة بتكريمها كما كرمت أدباءنا، كانواسباقين .. منجزين.
وها هي الدكتورة سميرة إسلام أيضا سباقة .. منجزة، سفيرة، للوطن.
****
No comments:
Post a Comment