شاهد ياوطن…
كل إنسان هو شاهد علي الحياة في تفاصيلها وشموليتها. كل إنسان يحمل في ذاكرته صورا وصورا..
بعضها باهت اللون وآخري حية مشرقة.. بعضها وردي اللون و آخري رمادية.. بعضها هبط إلي الأعماق ليتواري في خبايا اللاوعي, وآخري ما تزال تسكن ا لوعي.
كل إنسان شاهد علي الحياة بكل ما فيها من رتابة واعتيادية وأفراح وأحزان وغرابة ودهشة ومفاجآت. وفي مسيرة الحياة تلتقط عدسة الذاكرة كل ما تلقاه لتخزنه في صور باللون والطعم والشعور, ليسقط منها ما يسقط علي مر الأيام في سلة النسيان.
قدر البعض أن يرحل عن الحياة في سكون حاملا معه ذاكرته بما فيها من حلو ومر…من سعادة وألم.. من رضي وغضب.
وقدر البعض الأخر ألا يكون صاحب الحق في هذه الذاكرة..ترفض الحياة أن تدعه يرحل في سلام قبل أن يسلمها ذاكرته. علها تحمل درسا أو عبرة أو حتى سلوانا لإنسان آخر….أو ربما تكون مستراحا لسالك آخر علي الدرب…وكأن الحياة هنا وقعت عقدا مع هذا الكائن بأن تريه من عجائبها ما تريه علي أن تستعيد منه هذا "الصندوق الأسود" قبل رحيله. وكأن الحياة هنا تطالب بحقها في ما أودعته في هذه الذاكرة!
هل قدري أن أكون من الفئة الثانية. ؟
حاولت أن أتواري خلف دروع الصمت وما نجحت.
تصالحت مع نفسي ومع كل ما هو خاص في حياتي بما فيه الموت…و رحلت بعد رحيل من كان يجعلني أتمسك بالبقاء. والرحيل لا يكون بالضرورة رحيل المكان..رحيلي كان إلي مجاهل النفس..إلي غياهب الصمت…إلي عالم من "العزل الانفرادي". ورغم أنه اختياري فهو لا يختلف كثيرا في آثاره ومعانيه _وإن اختلفت الدوافع والمسببات_ عن العزل الانفرادي في السجون السياسية.
أحيانا كثيرة يكون الاختياريّ أقسي وأشد علي النفس من الإجباري. وفي الحالين نقطة تلاقي وتماس تظهر في خطورة التداعيات. أبسطها توقف الزمن.
ولكن .. وبعد سنوات من توقف الزمن, شيء ما في الذاكرة يرفع راية العصيان. وأتساءل: هل هو صوت الوطن الغائب/الحاضر؟ هل هو صوت الحبيب الراحل؟ كانا واحدا . توحد أحدهما بالآخر! أعندما غاب أحدهما غاب معه الآخر!! لا أدري..
شيء ما في الذاكرة يرفض الموت في سكون. شيء ما في الذاكرة يرفع الحصار عن أحرفي..
وهذا البحر..جاري..ورفيق دربي الوفي.. من علمني لغة الحوار ولغة الصمت معا, يهدر اليوم بعد استكانة طويلة ليخرجني من غيبوبة الصمت إلي مخاطر الصحو ووجع البوح.
وأدرك أن الحرف اليوم ينتصر.. ضاق بالسكن في صمت أوراقي وأروقة ذاتي, يريد التحليق من جديد حتى وإن تبدلت عليه الفضاءات واختلفت! حتى و إن عاد غريبا.. صغيرا.. بسيطا.. خافتا يتلمس دوره في طابور الانتظار.
"الحياة" جاءت اليوم تطالب بتنفيذ العقد. جاءت تطالب بذاكرتي ..جاءت لتضخ الحياة في أحرف أدمنت الصمت لوقت طويل..وأتساءل: هل هي "قبلة الموت؟!"
2 comments:
maha alsalem اترك تعليقًا جديدًا على رسالتك "حياة بعد الموت ...":
السلام عليكم.. شكرا على الرد.. دخلت اشوف هل تم نشر تعليقي..ووجدت 2 تدوينة جديدة.. خلتني افكر هل اقدر اتصالح مع الموت؟ الحياة وانا يالا يالا عايشة وباين اننا ماتصالحنا وهي مو شيء مجهول بالنسبة لي..فكيف بالموت المجهول؟
كيف اتصالح مع كل شيء وليه للان ماتصالحت مع ولا شيء. هل هدا الكلام حقيقة ولا خيال؟
هل ينفع احد يختار لنا الحياة اللي نعيشها ونرجع نسامحه؟ هل ممكن انه احد يكون قاسي مرة علينا وفجاة نصح من النوم ونقول سامحنا
معك حق يا مها التصالح والتسامح. كل واحد أصعب من الثاني. ولكنهما ضروريان لا مفر حتي نتصالح مع الحياة، ساعتها نقدر نتصالح مع أصعب شيء فيها وهو الموت..و المشكلة أننا لن نستطيع مصالحة الحياة إلا بعد التسامح. التصالح لا يعني مصالحة من أساؤوا إلينا. والتسامح لا يعني أن ننسي الإساءة ومن أساؤوا . ولكن أن نداوي الجراح ولا نتركها تنز كلما تذكرناها وامتلأ القلب كراهية وغضبا. الكراهية والغضب لا تنصب علي من أساؤوا إلينا ولكن الأخطر أنها تقضي علي ثقتنا بأنفسنا. فتقتل فينا العاطفة والإحساس حتي تجاه من يحبوننا. قليل منا من لم تتعرض حياته للظلم والقسوة. منها ما يعبر ومنها ما يصيب كينونة الإنسان في العمق. في هذه الحالة لابد من العلاج. النفسي السليم مدعما بالعلاج الإيماني . من حق كل إنسان علي نفسه أن يداوي جراحها وأن يحتفي معها بالحياة. ولا شيء مستحيل إذا عقدنا النية علي رغبة أكيدة في الشفاء.
Post a Comment