Sunday, April 28, 2019

الإعاقة الحقيقية.. من هنا تبدأ

With a Smile..you look beautiful


لابد أن تُكسَرَ القشرةُ أولا ..

"لابد أن تُكسر القشرة قبل أن يتمكن الطير من الطيران "

ألفريد تنيسون
The shell must break before the bird can fly
Alfred Tennyson
استوقفتني هذه العبارة طويلا. ليست لغرابتها أو لأنها أتت بجديد.
فكلنا نعرف ، بل وربما أغلبنا قد شاهد بيضة تفقص، تُكسر قشرتها.. ويخرج منها فرخا لطائر أو دجاجة. إن لم تكن سعيد الحظ في طفولتك وكنت شاهدا علي سر من أسرار الخلق وروعته، علي الأقل لا بد وأنك قد رأيت المشهد في صورة ، أو درسته في كتاب العلوم .. ربما !
وكلنا يعرف أن الجنين داخل البيضة عندما يكتمل نموه فإنه ينقر القشرة من الداخل كي يحدث فجوة يخرج منها . بمعني أن كلنا يعرف أن " لابد للقشرة أن تُكسر قبل أن يتمكن الطائر من الطيران"
وتصبح هذه المعرفة حقيقة بديهية لا تسترعي انتباهنا كثيرا.
ومع هذا وجدت العبارة تشد انتباهي، وتستوقفني في لحظات تأمل عميق بما فيها من دلالات نفسية واجتماعية بالغة الأهمية.
سحبتني إلي واقعنا نحن البشر ، وإلي مشاهد عديدة من حياتنا الإنسانية والاجتماعية.
كم من مشهد ومشهد مر علينا ورأينا الإنسان فيه حبيسا داخل "شرنقة ما" ، بينما مطلوب منه أن يحلق ويطير! و لديه من المعطيات الفطرية ما تؤهله لذلك.

نأخذ مرحلة الطفولة.. إذا تابعنا الطفل في مراحل نموه في السنتين الأولي، نجده توَّاقاً للحركة والاكتشاف. وأهم اكتشاف هو أنه كائن منفصل عن الأم، يمكن أن يبتعد عنها ويعود إليها حسب الموقف والاحتياج.
ولكن هناك من الأمهات والآباء من يعيق نمو الطفل نحو الخروج من الشرنقة .. الخوف الشديد علي الطفل ، عدم إتاحة بيئة للحركة والاكتشاف ، الإساءة وتعنيف الطفل عند كل حركة أو " خطأ" ..أو ربما عدم تقبله لسبب ما، هذه كلها من دواعي الإعاقة النفسية/الإجتماعية لدي الطفل ، والتي تجعله عاجزا فيما بعد عن التحليق والطيران للتفاعل مع الحياة تفاعلا صحِّيا.
والحياة عموما مليئة بالمطبات والمفاجآت. بعضها سهل الاجتياز ، وبعضها سار.
ولكن هناك أيضا التجارب الصعبة علي المستوي النفسي والعاطفي والإنساني عموما. البعض منا قد يجد نفسه مضطرا للتفاعل مع التجارب الصعبة باسلوبٍ دفاعِّي ، بمعني أنه قد يحيط نفسه بغلالات، أو ربما بأسلاك شائكة.. مثل الخوف، و عدم الثقة في النفس، و الشك في نوايا الآخر.. تعوقه عن التفاعل الصحي مع الحياة . هؤلاء يحرمون أنفسهم متعة التواصل ومشاركة الآخرين أحزانهم وأفراحهم. بل قد يفقدهم الخوف وعدم الثقة القدرة علي المشاركة العاطفية والوجدانية مع الآخر.
الخوف هنا هو القشرة التي لم تُكسر قبل أن يتمكن الطير من الطيران !
حالات أخري من الإنحباس النفسي/ الإنساني، وهي حالات الإنغلاق الفكري.
هناك من البشر من يحبسون أمخاخهم أو رؤوسهم في نهج فكري محدد ، أو قناعة جامدة غير قابلة للمراجعة أو النقاش. هؤلاء يعيشون ويموتون دون اكتشاف روعة "الإكتشاف" ، ودون أن يتذوقوا طعم الحرية خارج بوتقتهم الضيقة التي يسجنون أنفسهم فيها. ودون أن يتعرفوا علي ملامح للجمال لا يشعر بها ويدركها إلا من كسر " غلاف البيضة"، وتغلَّب علي خوفِ المجازفة ، وسبح مع خياله إلي آفاق لا نكتشفها إلا بعد "الخروج".....
*******
جدة، 13 مايو 2012
وأعيد قراءة هذا التدوين ومشاعري تتوجه لكل من واجه ويواجه إعاقة ما في حياته، وكسر قشرة الخوف سعيا وراء حلم ما، فخرج إلى الحياة  واثقا من قدرته على تحقيقه.
 لحسن ظنه في الله وفي نفسه حققه.
جدة، ابريل 2019


No comments: