٢٣ يونيو ٢٠١٠
فاتنة أمين شاكر
إشكاليات "المواطنة"
.. عندما تصبح المواطنة إشكالية للبحث والدراسة فهذا يعني أن هناك خللا ما ... لا أبالغ إذا قلت أن هذا يعني أن الوطن في حالة اختفاء...غير مرئي ربما..غير محسوس ربما..
في العالم العربي ، الكل يتكلم هذه الأيام عن "الوطن." والكل يدير ندوات و ورش عمل ومؤتمرات حول "المواطنة." يبدو أن "الوطن" يضيع من بين أيدينا مما يستدعي حالة البحث, أو ربما هو الذي أضاعنا نحن أبناءه من بين أحضانه مما يستدعي حالة من الأسى والجزع...وربما نحن الأبناء الذين نضيعه أو ضيعناه من وجداننا وانتمائنا باغترابنا عنه!
لماذا الحديث عنها كان محظورا ؟
من حوالي ثلاثين عاما طرحت هذا السؤال كبحث عن أسباب ما رأيته آنذاك من سوء تعامل بعض المواطنين مع الممتلكات العامة.. سواء في المطارات الحديثة( مثل مطار الرياض الذي بدا عليه سوء استعمال المواطن فقط بعد أسابيع قليلة من افتتاحه) أو ما اُستحدث من أماكن للترفيه مثل كورنيش مدينة جدة, أو الحدائق العامة. وكان الطرح في شكل ندوة يُعتزم إقامتها ضمن البرنامج الثقافي في رحاب جمعية نسائية للعمل التطوعي في مدينة جدة.
ولكن الندوة لم تعقد لأن الجمعية لم تحصل علي الموافقة الرسمية علي موضوع "المواطنة". بل جري "استفسار" حول "الأهداف الخفية" وراء طرح مثل هذه المواضيع. كان من الصعب حينها إقناع الجهة المسئولة أن هناك مشكلة في "مواطنة المواطن", وأن الموضوع من جهة أخري يقع في صلب الدراسات المهتمة بالتطور والتنمية(لم يكن مفهوم الإصلاح هو السائد آنذاك).
لم أكن أدرك حينها أن ل"المواطنة" أبعادا تُعد من الخطوط الحمراء, غير القابلة للنقاش. كانت عيني آنذاك علي سلبيات المواطن وعدم تقديره للجهود التي تُبذل في سبيل إسعاده وتوفير وسائل الراحة له.
ولكن رد الفعل الرسمي فتح عيني الأخرى علي حقيقة الأبعاد المعقدة المتداخلة في المعادلة. لم أدرك حينها أن حساسية الموضوع لم يكن في مناقشة موضوع "المواطنة" بحد ذاته، ولكن لأنه بالضرورة سيفتح ملفات أخري حساسة مثل ملف "الانتماء" وملف "الهوية".
وأتساءل بأثر رجعي: هل كان من الممكن أن يكون في فتح هذا الملف إلقاء الضوء علي بعض ما كان يدور في الظلام في ما أطلق عليه بعد ذلك ب "معسكرات تفريخ الإرهاب؟"
وهنا أود أن أسجل قاعدة "تربوية" وهي أن لكل "ممنوع" تداعيات منها تحفيز العقل علي التفكير وطرح الأسئلة بحثا عن إجابات. قد تأخذ هذه التداعيات منحي إيجابيا مشروعا أو قد تأخذ منحى آخر سلبيا غير مشروع.
ويمر الزمن. ويُمنع الحظر عن بعض ما كان يعد في دائرة "التابو". ويشهد العالم العربي انفتاحا مذهلا (يدعو للتفاؤل حقا) علي موضوع "المواطنة". والباحث في مسارات هذا الملف و المحاور التي يسلط الضوء عليها يكتشف أن الاهتمام ينصب علي محور أساسي وهو: "تقبل الآخر." وعلي مستوى أعمق الاعتراف بحق الآخر في "المواطنة".
ولكن السؤال الجوهري هو :
من هو الآخر؟
ولماذا يصنف كآخر؟
و هل يعني ذلك أن هناك مواطن وهناك "آخر" ؟
وهل هو " آخر" لأنه يختلف عني بحكم العرق أو العقيدة أو الجنس ؟
ثم ما هو التعريف العملي لهذا التقبل؟ وما هي آليات تفعيله؟ وهل تقع المسئولية علي الأفراد وحدهم, فيقتصر الاهتمام هنا علي التقبل النفسي؟ أم أن المجتمع والدولة يتحملان المسئولية معا فيمتد الاهتمام ليشمل النواحي القانونية والشرعية لتضمن حق المواطنة لهذا الآخر؟
اكتشفت علي طريق البحث والتأمل أن الأسئلة في مفهوم "المواطنة" كثيرة وعديدة ومتداخلة, و زادت تعقيدا عند البحث لكتابة ورقة عمل حول دور الإعلام في تعزيز مفهوم "المواطنة" لدي المتلقي.
من البداية إلي النهاية, وجدت أن "المواطنة" ليست إلا حالة حب..حالة حب خاصة جدا...هي انتماء ...هي إثراء بين الوطن وإنسانه... هي تفاعل من الأخذ والعطاء بين الوطن وإنسانه...هي طريق باتجاهين...
"المواطنة" هي حقي علي وطني في العيش بكرامة, و أن يحميني ويوفر لي الأمن النفسي والفكري, وأن يكفل لي حرية التعبير, وفرص الكسب المشروع, وأن يرفع عني الظلم حال وقوعه.
المواطنة هي حقي وحق كل آخر على تراب الوطن أن نكون سواسية...كلنا مواطنون من الدرجة الأولي, بصرف النظر عن النوع أو اللون أو السن أو الانتماءات الدينية أو القبلية, أو حتى السيارة التي نركبها أو الحي الذي نسكن فيه.
"المواطنة" هي حقي وإن اختلف صوتي عن أصوات الآخرين.
و "المواطنة" هي حق الوطن علِي إنسانه أن يعطيه حبا وعملا وتفانيا و إخلاصا وصدقا وتضحيات... هنا فقط يتحقق الانتماء...وتقوي الروابط.. وتتعزز الهوية. و تمتلئ النفس عزة وفخرا, وترتفع الرأس كرامة...
و أكتشف أن المعادلة أبسط بكثير من كل هذا الجهد المبذول بحثا عن استراتيجيات لتحقيق "المواطنة."
دعونا نوجد أولا "الوطن" لكل من ينتسبون إليه, و ستوجد تلقائيا "المواطنة."
*******
( سبق نشرها في منبر الحوار والإبداع)
No comments:
Post a Comment