( إنها المقاومة يا نورا، المقاومة الحقيقية التي قد تغسل بدمائها العار عن جباهنا!! و مازلنا يا قدس .. بعد ثلاثة عقود .. ولكن هذه المرة إنها مقاومة المقاومة كي يبقي العار عن جباهنا )
العدد 59 من مجلة سيدتي 1982م/ 1402هـ
افتتاحية العدد
إن ما يحدث هناك مَهُول!
اليوم امتلأ عالمي بالأحداث .
حُرمة المسجد الأقصى تُنتهك مرة أخرى، استجابة غُضبى من العروبة والإسلام بالحداد يوم كامل، أعداد القتلى على الأرض الثُكلى تتزايد، المقاومة الداخلية تتصعد وتحيل كلمة "مقاومة" من إصلاح وسياسة إلى واقع يكاد يرد إلى النفس بعضاً من اعتبارها الضائع.
ومكالمة هاتفية تنعي لي خبر وفاة صديق قديم بسكتة قلبية إثناء احدى جولاته على طريق القمة في عالم الإبداع والابتكار .
انتحب صوت محدثي – وهو صديق مشترك- انتحب وهو يقول: مازلت لا أصدق، لقد كان في قمة عنفوانه وشبابه، إن موته شيء لا يُعقل!
و همهمت: ولكن الموت الشيء الوحيد الذي يُعقل، إنه الحقيقة الوحيدة الملموسة، الروح هي الروح إن كان الجسد شاباً أم كهلاً، ولكل روح موعدها مع خالقها.
وتشدني مانشيتات بعض الصحف تؤكد أن موعد زيارة إنديرا غاندي للسعودية .
وأغتصب ابتسامة أحاول بها ترطيب نفس مثقلة بالألم، إذن تأكد الموعد! إحساس بالفرحة يحاول يائساً اختراق حاجز الألم.
ولكن صوت نورا فاخوري يصل أولاً.
- دكتورة ..القدس.. ماذا سنفعل ؟ لدى فكرة ارقتني الليل كله!
- نعم يانورا، القدس.. لابد أن نعيده، ولكن دعيني أولاً أنتهى من مشاكل العددين (58 و59) التي أرقتني أيضاً طوال الليل.
وتنسحب نورا ببطء، وصمت، وحمل انسحابها شيئاً من معاني الانكسار!
شغلت بفض المتطلبات الروتينية، أبعدت خبر الموت جانباً، الحداد غلفته بسؤال: هل يعود القدس؟
إلا أن صوت نورا وانسحابها الهادئ بقيا معي حتى وجدت نفسي فجأة بلا عمل، بلا مشكلة، بلا أوراق للمراجعة.
الآن يمكنني العودة إليها.
- نورا ماذا فعلت بخصوص موضوع الصباح؟
- أعددت خطة لاختراق حواجز الألم!
- كيف ؟
- عن طريق الهاتف؟
- ألديك واسطة هناك؟
- نعم
- ولماذا لم تنفذي الخطة حتى الآن؟
- أنا في طريقي
- أسرعي باقي من الزمن يوم واحد لتشطيب العدد.
نورا تخترق عالمي، كيانها يتقدم، هذه المرة، صوتها:
- دكتورة .. تم الاتصال، أن ما يحدث هناك مهول، إن المسافات التي تفصل بيننا هنا وبين الواقع هناك خرافية.
وتحكي بعض ما سمعت، الألم يحول وجهها إلى مرآة تعكس لون الدماء التي أصبحت مصدر السقيا الوحيد للأرض الثكلى".
إنها المقاومة يا نورا، المقاومة الحقيقية التي قد تغسل بدمائها العار عن جباهنا!!
*******
رئيسة التحرير
فاتنة شاكر
No comments:
Post a Comment