Tuesday, April 10, 2012

ولكن.. هل اختفي الساحر ؟ كلمات قديمة جديدة ..

عندما يكون السؤال: ماذا فعلتم بعقولكم ؟
في الفلسفة الشرقية الآسيوية للتأمل والاسترخاء، يُشبَّه "العقل" بالقرد. ولأن القرد دائم الحركة و أحيانا في اتجاهات متضاربة, يكون الدرس الأول في عملية الاسترخاء و التأمل هو " ثبٌت القرد", (Hold the Monkey) امسك بزمامه ليستقر وتهدأ حركته. كي يتحقق للمتأمل تدريجيا التواصل مع داخله, وتصفية وعيه من الملوثات الحياتية التي توتر أعصابه, و تؤثر علي صحته . فيتمكن من تحويل أي طاقة سلبية بداخله إلي طاقة إيجابية . فيخرج بحالة من التركيز والانتشاء ووضوح الرؤية.
بالنسبة للمواطن العربي/ المسلم, لا أعتقد أن لديه مشكلة بهذا الخصوص. ف "قرده" ثابت, لا حراك. ولكنه ليس ثبات الاسترخاء تهيئة للشحن بطاقة حية, ولكنه ثبات من نوع سبات النوم. فعقله نائم, مغيب, مرتاح أغلب الأوقات. ويا ليته هو النوم المريح الهادئ, ولكنه توقف عن العمل أكثر منه نوم. فقد أجبرته الأنظمة لزمن طويل علي الاستسلام لراحة الفكر, والكف عن التساؤل, وضمان الأمن بالمشي "جنب الحيطة". بحيث يمكن لأي متتبع غير متخصص لمجريات الأمور أن يدرك أن "العقل" العربي (كعقل جمعي) خارج الخدمة.
فقد تحول المواطن العربي بالفعل علي مدار السنوات إلي "شاهد ما شفش حاجة !"إلا فئات قليلة, وبالطبع لاقت ما تستحقه من جزاء !
ولأن العقل هو هبة الرحمن للإنسان, ُخلق للتدبر والتأمل والتفكر, يكون إلغاؤه وتغييبه إهدارا لهذه النعمة الإلهية العظيمة. وعقابا من الرحمن لهذا العمل المشين من الإنسان, جاءنا بلاء أخطر في قهره واستبداده واستئثاره بالشرعية من بلاء الأنظمة. فالاستبداد والبطش باسم الأمن القومي/الوطني شيء, والإرهاب باسم الدين شيء آخر.
جاءنا البلاء في منظومة جماعة, الله وحده أعلم بنواياها الحقيقية, رفعت رايات التشدد والترهيب والتكفير. البلاء الأعظم أنها فعلت ما فعلت, ومازالت, باسم الإسلام. لوت عنقه, وطمست جوهره, وحولت عقيدته من التسامح والمحبة و الدعوة إليه بالموعظة الحسنة إلي "العقيدة المكيافيلية": الغاية تبرر الوسيلة. فكان الإقصاء, والتشهير, والخوض في أعراض الناس, وإحداث الفتنة والبلبلة في الأسرة الواحدة, والتكفير, وتهديد حياة المواطن, و الإخلال بأمن الدولة, صورا من أبسط وسائل الإرهاب لدي شيوخ هذه المنظومة. والتي نفذها الأتباع طاعة عمياء, وبرهانا علي قوة انتمائهم و إيمانهم بعقيدة مشايخهم التي ضمنت لهم(حسب أوهامهم) الصفوف الأولي في الطبقات العلي من الجنة الموعودة.
الوسيلة الأخطر علي الإطلاق هي التدبير المنظم والمستمر لإلغاء دور العقل وإضعاف القدرة علي إعماله لدي الأتباع, ومحاربة كل محاولة لإعماله لدي المواطن, خوفا من كشف أوجه الضلال فيما يرمون إليه. ومن الطبيعي والبديهي أن تقوم حرب شعواء علي كل من يحمل مشعل الفكر والتنوير الذي لا يتأتي إلا بإعمال العقل وتحقيق ما خُلق العقل من أجله.
فتحول جمهور الأتباع وأتباع الأتباع من المواطنين الغلابا إلي مجرد ببغاوات (بغباغانات) تردد فقط دون أي قدرة علي مجرد التفكير أو طرح السؤال. وانتهينا بجموع لا تخاف شيئا ولا تتهيب من شيء بمثل تخوفها من إعمال العقل.
ولأن الزمن يتغير. ولأن الله تعالي " خير الماكرين", كان لابد وأن ينقلب السحر علي الساحر.
ولكن.. هل اختفي الساحر؟ لا . فقط بدل جلده, وغير صوته, واخترق كل فضاء يمكنه من ممارسة سحره من جديد علي السذج ( وهم كثر) من فاقدي القدرة علي التفكير. ترك وراءه المسجد واعتلي منابر النجومية والأضواء. و حيثما وُجد نجم وجدت حاشية الأتباع، ليتحلق حوله كل من في نفسه شهوة لشيء من ضوء تشعره بأهمية ما حتي وإن كانت واهية.
فقط تبدل وجه الساحر, وتطورت أساليبه, واستبدلت الأقنعة بأقنعة جديدة براقة تدعي المراجعة, والتوبة, واستعادة "الوعي".
ولكن ....أين وعي المواطن الغليان الذي غيبوا عقله وأفسدوا عليه حياته بفتاويهم وأساليبهم الإرهابية ؟ كيف يستعيد هو وعيه , وكيف يستفيق؟
أين وعي المواطن الذي مازال يتأرجح بخجل مشين في بورصة الفتاوي, بين محلل ومحرم؟
أين وعي المواطن الذي يتفرج ببلاهة علي "صراع الديوك", ويهدر وقته متابعة, و يخسر عقله في حلبة الصراع, رهانا علي من يخسر ومن يفوز, غير مدرك بعد أنه هو كان الخاسر الأكبر, وما زال, وسيبقي إن لم "تزلزله في العمق" صحوة في الوعي ؟
الغناء مرة حرام.. فيعزف المواطن عنه ..ويحمل سيف شيوخه في وجه من يخالف التحريم.
ومرة حلال فيقبل المواطن مهرولا, ذات المواطن, لا غيره ! فينتعش الاقتصاد الوطني بانتعاش سوق الطرب والمطربين !
غطاء الوجه مرة حرام.. فتتحول المرأة إلي خيمة سوداء تسمي النقاب...
كشف الوجه الآن مجاز..تطمئن من كشفته من قبل وهي مستغفرة ربها ليل نهار !
ولكن "الخيمة السوداء" تستمر زورا وعدوانا "عنوانا للمرأة المسلمة" بتصديرها إلي خارج الحدود. وفي ذلك انتعاش, وإنعاش لاقتصاديات الجماعة باستمرارية سطوتها علي وعي من يوكل إليها تربية الأجيال من ذكور وإناث. وفي ذلك أيضا نقمة دائمة مستمرة علينا كمصدر التصدير . فيظل ذكرنا وذكر "إسلامنا"عاطرا علي كل لسان. !
هذا قليل من كثير مما تفيض به علينا إبداعات/ابتداعات/إدعاءات من توشحون بوشاح الدين, ويتحكمون بمسار مجتمع بأكمله.
ولكن الخطأ الأكبر هو خطؤنا. نحن نتحمل مسئوليته. أوقفنا عقولنا عن العمل مخافة, وجهلا, واستسهالا. أصبحنا نلهث وراء كل فتوي بحثا عن صك للغفران. ونهلل لكل فتوى تدعي الآن رؤية وجه النهار بعد أن أغرقت حياة الكثيرين في ظلمة ليل يطول أمده, مازالوا يجاهدون للخروج منها.
لا أدري كيف سنواجه رب العباد يوم يكون السؤال: ماذا فعلتم بالعقل الذي أودعته فيكم وفضلتكم به علي سائر المخلوقات؟
*******
نشرت في منبر الحوار والإبداع
‏24‏/09‏/1431
فاتنة أمين شاكر

No comments: