مدونة ترصد تفاعلات النفس والفكر والوجدان مع نبض الحياة المتغير والمدهش دائما. فالمشاهدة ليست فقط بالعين ولكن مسبقا هي رصد بالوعي. ومن ثم تكون الترجمةإلى ألوان تقرأ وإيقاعات ترى...وتواصل يدفع إلي آفاق أبعد...
Wednesday, April 25, 2012
هل للأماكن ذاكرة ؟
شاي بالريحان...
تساءلت مضيفتي هل تحبين الشاي بالنعناع؟
سألتها: هل جربت الشاي بالريحان؟
قالت : لدي شجيرة ريحان في حديقتي لا أستعملها في شيء..فلنجرب..
وسرعان ما أحضرت براد الشاي تفوح منه رائحة الريحان.
و بينما تتذوق الأخريات نكهة الريحان في الشاي و يثنين عليه..يرتحل الريحان بذاكرتي إلي الوراء البعيد..إلي أماكن عرفت فيها بشرا غير بشر المدن, حفروا لهم في الذاكرة مواقع لا تُمحي. وتعرفت فيها علي ملامح للطبيعة أسرت وجداني بجمالها وشموخها, واحتبست جزءا منه في حنايا صخورها, وخبأته في غلالات غيماتها.
ولكن كيف ترتحل بي الذاكرة جنوبا وأنا هنا في صحبة "شمالية"؟
كيف تستدعي الذاكرة صورة الجبل.. والصخر.. وذلك الفضاء الذي تكاد في سكونه تسمع تسابيح كائنات لا تُري.. تسكن القمم؟
كيف.. وهذا البحر الشمالي الفيروزي الصاخب..أما هو الأولي بتراحيب المطر؟
أهو الريحان...؟ ما الذي يستدعي معه رائحة الشيح.. والكادي.. والزعتر البري؟
أم أنه ذلك الجزء من النفس الذي ارتبط بالمكان وناسه, وتواري في طيات الذاكرة..؟ تُستحضر للتو النفس المنسية /المنفية , وتفسح الذاكرة عن كل ما شكّلها وأثراها من صور بسيطة من التآلف الذي لا يبحث عن تفسير. ..
جلسات نقش الحناء.. و إيقاعات الأقدام عل الأرض , تارة بخفة وتارة بقوة, تنتظم في دائرة من السواعد المتشابكة.. لم يكن مجرد رقص جماعي, بل استدعاء لذاكرة ما, لسر ما..و تأكيدا ربما لملحمة عشق ضاربة في أعماق الزمن.
و أمسيات..شهدتها معنا النجوم السهارى.. طالت فيها الحوارات حول كل شيء ولا شيء.. يعقبها لحظات سكينة و سكون, لا يقطعه إلا صوت براد يغلي فوق حطب, تفوح منه رائحة القشر..و السنوت.*
تري هل للأماكن ذاكرة؟ هل تذكر محب, عاشق مر بها.. كما هي في الوجدان محفورة؟
*******
لحظات شرود.. منها يعيدني صوت الصحبة باحتجاجاته...صحبة صداقة وزمالة في المدرسة, يعود وثاقها إلي أكثر من نصف قرن.. معها تعود اللغة.. والأحاسيس.. والذكريات إلي ذلك الزمن. بعودته تعود إلي اللغة حلاوتها.. وإلي الأحاسيس طراوتها.. يصبح "ذلك الزمن" في ثوان هو الحاضر. تعود فيه الطبيعة إلي ما كانت عليه من براءة وتطلع.. وتلك الابتسامات الطفولية.. تعود فجأة تضيء ملامح الوجه وتمحو آثار الزمن.
وتتفتح النوافذ المغلقة.. وتنساب الحكايات والذكريات.. نتذكر.. ونذكِّر بعضنا البعض..
وتتعالي الضحكات حينا من سذاجة أحلامنا, و رومانسية خيالنا, ومحاولاتنا المراهقة آنذاك في لفت انتباه هنا أو هناك..
و تدمع العين أحيانا.. علي قصص الحب الأول الذي كان.. والذي ظل سرا حبيس الأمنيات..
ومع فناجين الشاي بالريحان...يدور شريط الذكريات...و يدور !
*******
الإسكندرية _ 8/1/2010
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
No comments:
Post a Comment